د.قيس الرضوانى يكتب:عمر البلداوي.. هندسة الإدارة على مقاس الاستحقاق والنزاهة

في أروقة المؤسسات الكبرى، ثمة فئة من القياديين يُطلق عليهم “صمام الأمان” أولئك الذين لا يكتفون بإدارة الورق، بل يديرون تطلعات الناس بمسؤولية واقتدار. وفي وزارة الكهرباء العراقية، يبرز اسم الأستاذ عمر سليم البلداوي، مدير عام الدائرة الإدارية والمالية، ليس فقط كعنوان وظيفي، بل كنموذج استثنائي للإداري الذي نجح في الموازنة بين صرامة القانون ومرونة الاحتواء.
لم يأتِ نجاح البلداوي وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسيرة مهنية بدأت منذ تخرجه من كلية الإدارة والاقتصاد بالجامعة المستنصرية عام 1994. ومنذ التحاقه بالوزارة في تموز 2003، شق طريقه عبر تدرج وظيفي رصين، متنقلاً بين مفاصل الإدارة بذكاء “الإحصائي” الذي يدرك قيمة الرقم، وبصيرة “القائد” الذي يقدر قيمة الإنسان. وبأكثر من 22 عاماً من الخدمة، و60 كتاب شكر وتقدير، استطاع أن يبني سجلاً مهنياً أبيضاً، خالياً من شوائب المحسوبية أو الوهن الإداري.
إن ما يميز “البلداوي” ويجعله رقماً صعباً في معادلة النزاهة، هو تاريخه المشرف؛ حيث سجلت له الذاكرة الإدارية موقفاً بطولياً عام 2014 حين آثر التضحية بمنصبه (معاون مدير عام آنذاك) على أن يمرر مخالفات إدارية ومالية، معترضاً بمهنية عالية على كل ما يمس سلامة الإجراءات. هذا المبدأ الراسخ كان هو الجسر الذي عبر به مجدداً ليتسلم دفة الإدارة العامة بقرار من رئاسة الوزراء في عام 2023، تأكيداً على أن الكفاءة والنزاهة هي المعيار الأبقى.
تتجلى عبقرية البلداوي في قدرته على نيل محبة الموظفين بصدق، بعيداً عن بروتوكولات المكاتب المغلقة. لقد كان “المهندس الإداري” الذي تبنى ملفات آلاف الموظفين من شريحة العقود، محارباً في جبهة الأنظمة والقوانين لضمان استقرارهم الوظيفي وتثبيتهم على الملاك الدائم. ولم يكن “درع الإنجاز” الذي قدمه له الموظفون إلا تعبيراً بسيطاً عن حالة العرفان لمدير جعل من مكتبه ملاذاً للحقوق الضائعة.
الخاتمة
إن تجربة عمر البلداوي تثبت أن القيادة الحقيقية ليست سلطة تُفرض، بل هي أثر يُترك في نفوس الناس، وإنجاز يتحدث عن صاحبه في غيابه قبل حضوره. فلم يكن عمر البلداوي مجرد مديراً يوقع البريد، بل كان حائط الصد الذي استندت إليه آلاف العائلات العراقية لتأمين مستقبلها الوظيفي، فاستحق أن يكون المدير الذي لا تُغلق في وجهه الأبواب، لأنه لم يغلق بابه يوماً في وجه صاحب حق.






