
الاستراتيجية التي بدأناها بالحديث عن أهمية الالتزام الدستوري، وأثر المنهاج الوزاري في ترسيخ ركائز البناء المؤسسي للدولة العراقية، التي ما زالت تخوض مرحلة إعادة البناء بعد عام 2003 وفق دستور عام 2005، الذي أسس لهوية النظام السياسي الجديد وأعاد تشكيل مؤسسات الدولة على أسس دستورية حديثة.
ثم جاءت الخاطرة الثانية لتسلط الضوء على الفجوات الدستورية التي رافقت عملية بناء الدولة، وأهمية استكمال تشكيل المؤسسات الدستورية، وتشريع القوانين اللازمة، ومراجعة التشريعات النافذة بما ينسجم مع الدستور، باعتباره المرجعية العليا للدولة وهويتها السياسية والقانونية. فكل قانون يتعارض مع الدستور ينبغي تعديله أو إلغاؤه لضمان انسجام المنظومة التشريعية مع متطلبات الدولة الحديثة.
أما في هذه الخاطرة، فإننا نتناول إحدى الأولويات السيادية العليا لترسيخ منهجية الدولة وتعزيز سيادتها، ومعالجة التحديات والتهديدات الناشئة عن الفجوات التي رافقت مرحلة ما بعد عام 2003.
إن مصالح الأمن القومي للدولة تبدأ من حدودها. فالحدود ليست مجرد خطوط جغرافية تفصل بين الدول، بل هي خط الدفاع الأول عن المجتمع والدولة. ومن هنا تبرز أهمية إدارتها وضبطها والسيطرة عليها بصورة كاملة، وإنشاء منافذ حدودية رصينة مدعومة بأجهزة استخبارية مهنية وكفوءة، قادرة على رصد ومتابعة كل ما يدخل إلى البلاد من أشخاص أو مواد أو أجهزة، وتحت أي ظرف أو عنوان.
وأستذكر هنا موقفاً يتناسب مع موضوع هذه الخاطرة. ففي منتصف عام 2024، شاركت ضمن وفد عراقي رسمي إلى المملكة المتحدة برئاسة وزير الخارجية ووكيل وزير الداخلية، ممثلاً عن مستشار الأمن القومي، لمناقشة اتفاقية استراتيجية بين العراق وبريطانيا. وقد عقدت إحدى الجلسات في مجلس العموم البريطاني بحضور أعضاء من المجلس والوفدين العراقي والبريطاني.
وخلال النقاش، كان أول استفسار من الجانب البريطاني موجهاً إلى الوفد العراقي بشأن الحدود العراقية، ومدى خضوعها للسيطرة الكاملة للحكومة العراقية.
لقد عكس هذا السؤال حقيقة مهمة مفادها أن موضوع الحدود يمثل أولوية سيادية عليا ومؤشراً أساسياً على قوة الدولة وقدرتها على فرض إرادتها وحماية مصالحها الوطنية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مضاعفة الاهتمام الحكومي بالمنافذ الحدودية وقوات حرس الحدود، وأن يكون ما يُعرف بـ”خط الصفر” على امتداد الحدود العراقية مع الدول الست المجاورة خاضعاً للسيطرة الاتحادية الكاملة، دون التفريط بأي شبر من الأرض العراقية.
كما ينبغي تعزيز الإدارة الاستراتيجية للحدود عبر توظيف التكنولوجيا الحديثة بمختلف أشكالها، واعتماد أنظمة المراقبة والسيطرة والاستشعار المتقدمة، بما يضمن إحكام الرقابة وتحقيق أعلى مستويات الكفاءة الأمنية.
فإذا تحقق ذلك ضمن منهجية مؤسسية وطنية وإدارة كفوءة، فإن النتائج ستكون كبيرة ومؤثرة، وفي مقدمتها:
– الحد من عمليات التهريب بمختلف أشكالها.
– منع دخول المواد الفاسدة والممنوعة.
– مكافحة تهريب النفط والثروات الوطنية.
– تنظيم ملف العمالة الأجنبية وضبطه.
– الحد من نشاط شبكات الجريمة المنظمة والمافيات العابرة للحدود.
– تعزيز ثقة المجتمع الدولي بقدرة العراق على فرض سيادته الكاملة على أراضيه وحدوده.
ويمتلك العراق اتفاقيات دولية منظمة لحدوده مع جميع الدول المجاورة، وما يحتاجه اليوم هو تكريس الجهد الحكومي لترجمة هذه الاتفاقيات إلى واقع عملي من خلال دعم هيئة المنافذ الحدودية وقوات الحدود، وإجراء تقييمات دورية مستمرة لجميع العاملين في المنافذ، ومكافحة الفساد بكل أشكاله، باعتباره أحد أبرز التحديات التي تعيق نجاح الإدارة الحدودية.
فإذا كانت حدودك تحت سيطرتك، فلن يجرؤ الآخرون على التمادي، ولن يجد الفاسدون والمهربون بيئة مناسبة لتوسيع نفوذهم أو تحقيق مكاسبهم غير المشروعة على حساب أمن المجتمع وصحته وسلامة الدولة.
إن الحديث عن هذا الملف قد يبدو سهلاً، لكن تنفيذه على أرض الواقع يتطلب إرادة حكومية صلبة، وأدوات تنفيذية نزيهة وحازمة، قادرة على مواجهة أصحاب المصالح الذين يستفيدون من ضعف الحدود وهشاشة الرقابة واستمرار منافذ الفساد والتهريب.
إنهم يدافعون عن مصالحهم غير القانونية، بينما تدافع الدولة عن أمنها القومي، وعن صحة مواطنيها، وعن هيبتها وسيادتها.
لذلك فإن شعارنا المقترح لعام 2026 يجب أن يكون:
“الحدود أولاً”.
فإذا نجحنا في هذه الخطوة الاستراتيجية الكبرى، فستكون هناك خطوات أخرى تتكامل معها في مسار بناء الدولة وتعزيز أمنها وسيادتها.






