د.قيس الرضوانى يكتب:عدنان درجال… حين تعجز المناصب عن احتواء التاريخ
في زمنٍ تتبدل فيه الوجوه سريعًا داخل المؤسسات الرياضية، وتُحسم فيه المعارك خلف الأبواب المغلقة، تبقى قيمة بعض الرجال أكبر من مقاعدهم. من بين هؤلاء يقف الكابتن عدنان درجال شامخًا بوصفه أحد أعظم الأسماء التي مرّت في تاريخ الكرة العراقية والعربية.
عدنان درجال ليس مجرد رئيس اتحاد سابق، ولا مجرد مدافع ارتدى قميص المنتخب الوطني في زمنٍ جميل؛ إنه جزء من الذاكرة العراقية نفسها. هو رمز الانتصارات والكبرياء والأيام التي كان فيها اسم العراق الكروي يفرض احترامه على أكبر منتخبات آسيا. جسد درجال جيلًا كاملًا من اللاعبين الذين لعبوا للشعار قبل العقود والإعلانات؛ كان قائدًا داخل الملعب قبل أن يكون مسؤولًا خارجه، ونموذجًا للانضباط والهيبة والروح الوطنية التي افتقدتها الرياضة العراقية كثيرًا في السنوات الأخيرة.
منذ سبعينيات القرن الماضي، ظهر عدنان درجال كأحد أبرز المدافعين في تاريخ العراق، حتى أصبح لاحقًا “صخرة الدفاع العراقي” بلا منازع. شارك في بطولات كبرى، وقاد المنتخب العراقي في أصعب الظروف، وترك بصمة خالدة في كأس الخليج والبطولات الآسيوية والأولمبية، حتى تحوّل اسمه إلى جزءٍ من هوية الكرة العراقية.
هذه القيمة لم تكن فنية فقط، بل معنوية أيضًا؛ إذ حافظ على صورة محترمة ونظيفة وسط عقود طويلة من الصراعات. وعندما دخل العمل الإداري، دخل وهو يحمل حلم إعادة العراق إلى مكانته الطبيعية. في فترة رئاسته للاتحاد العراقي لكرة القدم استطاع أن يعيد العراق إلى واجهة الحضور العربي والدولي، بتنظيم بطولة «خليجي 25» في البصرة، وحلم العودة إلى كأس العالم الذي ظل العراقيون ينتظرونه لأكثر من أربعين عامًا.
ولم يقتصر التكريم على الداخل؛ فقد أعلنت اللجنة المنظمة لـ«قمة القاهرة للإبداع والتأثير» – المقرر انعقادها في 15 تموز/يوليو 2026 – عن إدراج اسمه ضمن الشخصيات العراقية البارزة التي ستُكرَّم، تقديرًا لجهوده في تطوير البنية الإدارية والفنية لكرة القدم العراقية وتحقيق نجاحات تنظيمية ورياضية . هذا الاعتراف العربي يعد هدية معنوية تليق بتاريخ الرجل ومسيرته، ويؤكد أن أثره يتجاوز حدود المناصب المحلية.
أما الانتخابات الأخيرة وما رافقها من تحالفات وتجاذبات، فهي شأن عابر في ذاكرة الزمن الرياضي. التاريخ لا يتوقف طويلًا عند تفاصيل الصناديق، بل عند الرجال الذين صنعوا أثرًا حقيقيًا. قد يخسر الإنسان منصبًا، لكن الأصعب أن يخسر احترام الناس. وعدنان درجال، مهما اختلفت حوله الآراء، بقي محتفظًا بمحبة قطاع واسع من العراقيين، لأنه بالنسبة لهم لم يكن مجرد إداري، بل رمزًا لمرحلة كانت فيها للكرة العراقية هيبة وشخصية وروح.
الأمم التي تحترم تاريخها لا تسمح بإسقاط رموزها بسبب صراع انتخابي أو خلاف مرحلي؛ فالرجال الكبار يُقاسون بما تركوه في وجدان شعوبهم لا بعدد الكراسي التي جلسوا عليها. لذا فإن الحديث عن عدنان درجال ليس دفاعًا عن شخص، بل دفاع عن ذاكرة رياضية عراقية كاملة وعن جيلٍ صنع الفرح للعراقيين في أصعب الأزمنة.
سيبقى عدنان درجال اسمًا محفورًا في تاريخ الكرة العراقية، سواء كان داخل المنصب أو خارجه. فبعض الرجال لا تصنعهم المناصب… بل المناصب هي التي تكتسب قيمتها منهم.






