د.دينا دياب تكتب:حارس الخزينة بين مطرقة الإجراء وكماشة السياسة: قراءة في مسيرة الدكتور هيثم الجبوري

في دهاليز السياسة المالية العراقية، تبرز أسماء قليلة تمتلك القدرة على فك شفرات الموازنة وإدارة لغة الأرقام ببراعة. ومن بين هذه الأسماء، يقف الدكتور هيثم الجبوري، رئيس اللجنة المالية البرلمانية الأسبق، كنموذج للشخصية التكنوقراطية التي جمعت بين الخبرة الأكاديمية والممارسة الميدانية لأكثر من عقدين. إلا أن المشهد الأخير في مسيرته يطرح تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام خلل إجرائي أم ضحية لتوازنات سياسية كبرى؟
أولاً: مرافعة الأرقام.. حارس الخزينة وصانع الوفرة
قبل الحديث عن أي تأويل سياسي، تتحدث الأرقام عن نفسها؛ فالتاريخ المالي الحديث للعراق يسجل للجبوري دوراً محورياً كـ “مصدّ مالي” منع انهيار الدولة في أحلك ظروفها:
• هندسة الوفرة المالية: إن الوفرة المالية وزيادة احتياطي البنك المركزي التي تحققت لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتاجاً لقرار شجاع اتخذه الجبوري برفض الاقتراض الخارجي وتخفيض ميزانية كانت ستثقل كاهل الدولة بمقدار 35 تريليون دينار.
• إيقاف نزيف التريليونات: في وقت كانت الضغوط تتصاعد، وقف الجبوري حائط صدٍّ أمام هدر فلكي، حيث نجح في إيقاف صرف 83 تريليون دينار كانت مدرجة ضمن قانون الطوارئ وقانون الأمن الغذائي، محولاً إياها من إنفاق استهلاكي إلى قوة مالية عززت من هيبة الدولة وخزينتها.
ثانياً: الحقيقة القانونية.. براءة من “السرقة” وإشكال في “الإجراء”
بعيداً عن الصخب الإعلامي الممنهج، بدأت خيوط الحقيقة تتكشف من أعلى الهرم الرقابي:
• شهادة البراءة: إن إقرار رئيس هيئة النزاهة مؤخراً بأن الدكتور الجبوري لا علاقة له بملف “سرقة القرن” يمثل شهادة براءة علنية، ويسقط كل محاولات التشويه التي حاولت إلصاق هذه التهمة به.
• المادة 331 مقابل التضخم: إن أمر القبض الصادر مؤخراً لا يتعلق بتهم الفساد أو تضخم الأموال كما يُشاع، بل هو استناد للمادة (331) من قانون العقوبات، وهي مادة تتعلق بـ “مخالفة واجبات الوظيفة” (إجراء إداري)، مما يؤكد أن القضية إجرائية بامتياز وليست جنائية.
• الشرعية البرلمانية: أكد مجلس النواب في كتابين رسميين أن “المقترح” الذي قدمه الجبوري كان ضمن صلب صلاحياته الدستورية، معلناً عدم وجود أي شكوى ضده، مما يسحب البساط من تحت أي اتهام بالاستغلال الوظيفي.
ثالثاً: المظلومية السياسية.. خلط الأوراق وإقصاء الكفاءة
لا يمكن فصل توقيت الإجراءات الأخيرة عن محاولات “هندسة الرأي العام”:
• لعبة التوقيت: إن وضع موعد مرافعة الجبوري في ذات يوم محاكمة المتهم الرئيسي في قضية “نور زهير” لم يكن إلا محاولة مكشوفة لخلط الأوراق وإيهام الشارع بأنها قضية واحدة، بهدف التغطية على الرؤوس الفعلية وإشغال الجمهور بكفاءة وطنية.
• الظرف الإنساني المغلوب: إن صدور أمر القبض رغم وجود عذر طبي مشروع يثبت رقوده في المستشفى، وحضوره لاحقاً رغم حالته الصحية المتدهورة إلى باب المحكمة، يثبت أنه رجل دولة لا يخشى المواجهة، بل يحترم القضاء حتى في أصعب لحظات مرضه.
رابعاً: الحاجة الوطنية للعودة
في سنوات رئاسة الدكتور هيثم الجبوري للجنة المالية، كانت الموازنة تمر عبر دهاليز العلم قبل السياسة. واليوم، ونحن نشهد الصعوبات البالغة في إقرار الموازنات وتخبط الإدارة المالية، ندرك قيمة الخبرة التي كانت تجعل المستحيل ممكناً.
إن العراق اليوم، وهو يواجه تحديات اقتصادية جسيمة، لا يملك ترف “هدر الكفاءات”. إن عودة الدكتور هيثم الجبوري إلى ساحة العطاء الوطني ليست مجرد رغبة شخصية، بل هي ضرورة لاستعادة “العقل المالي” السيادي. إن إنصاف الكفاءات وحمايتها من “التسييس” هو الضمانة الوحيدة لبناء دولة المؤسسات.






