محمد شياع السوداني… تجربة حكم تستحق الإنصاف

بقلم د.دينا دياب
في التجارب السياسية، لا تُقاس الحكومات بما أنجزته فقط، بل بما يبقى من صورتها في الذاكرة العامة. فالتاريخ لا يكتبه حجم المشاريع وحده، وإنما تكتبه أيضاً الروايات التي تُبنى حول تلك المشاريع. ولهذا كثيراً ما نجد أن بعض الحكومات تنجز الكثير، لكنها بعد مغادرتها السلطة تواجه محاولات لإعادة تفسير تجربتها أو التقليل من أثرها أو اختزالها في أخطاء محددة، بينما تُهمَّش منجزاتها تدريجياً.
ويُعد هذا التحدي من أبرز ما تواجهه أي تجربة حكم، لأن الإنجاز المادي قد يكون واضحاً على الأرض، لكن الحفاظ على حضوره في الوعي العام يحتاج إلى توثيق ورواية موضوعية، بعيداً عن الاستقطاب السياسي.

تجربة محمد شياع السوداني
عند تقييم تجربة رئيس الوزراء العراقي السابق، المهندس محمد شياع السوداني، ينبغي الفصل بين الموقف السياسي وبين القراءة الموضوعية للأداء التنفيذي.
فخلال فترة رئاسته للحكومة، شهد العراق إطلاق عشرات المشاريع في مجالات البنى التحتية، والطرق والجسور، والإسكان، والطاقة، والخدمات، والمستشفيات، والتعليم، والموانئ، إلى جانب تحريك العديد من المشاريع المتوقفة منذ سنوات.
ولم يكن التحدي مقتصراً على البناء الداخلي، بل تزامنت حكومته مع واحدة من أكثر المراحل الإقليمية حساسية، في ظل تصاعد التوترات في المنطقة. ورغم تعقيد المشهد، انتهج العراق سياسة هدفت إلى تجنيب البلاد الانزلاق إلى صراعات إقليمية مباشرة، مع الحفاظ على مصالحه الوطنية واستمرار التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
كما اتسمت تلك المرحلة بسياسة خارجية سعت إلى تحقيق التوازن في العلاقات مع الدول العربية، ودول الجوار، والشركاء الدوليين، وهو ما أسهم في تعزيز حضور العراق الإقليمي، وترسيخ صورته بوصفه دولة تبحث عن الاستقرار والحوار، لا عن الاصطفافات والصراعات.
وفي الداخل، شهدت البلاد توسعاً ملحوظاً في مشاريع البنى التحتية، وفك الاختناقات المرورية، والإسكان، والطاقة، والخدمات، وهي مشاريع ستبقى شاهدة على مرحلة تنفيذية نشطة، بصرف النظر عن اختلاف الآراء السياسية بشأنها.
كما حظي القطاع الرياضي باهتمام حكومي واضح، عبر توفير الدعم والإمكانات اللازمة للمنتخبات الوطنية، وهو ما أسهم في تهيئة بيئة أكثر استقراراً للحركة الرياضية، مع الإقرار بأن أي إنجاز رياضي هو حصيلة عمل جماعي تشترك فيه المؤسسات والاتحادات واللاعبون والجماهير، ولا يُنسب إلى شخص واحد.
الإنصاف قبل الأحكام
ومن الإنصاف أيضاً الإقرار بأن وجود مسؤول فاسد أو مقصّر داخل أي حكومة لا يعني بالضرورة إدانة التجربة الحكومية بأكملها، تماماً كما أن وجود مسؤول ناجح لا يجعل جميع مؤسسات الدولة ناجحة.
فالحكومات تضم مئات المسؤولين وآلاف الموظفين، ومن الطبيعي أن توجد فيها نماذج مشرقة وأخرى أخفقت أو أساءت استخدام السلطة. لكن العدالة تقتضي أن يتحمل كل فرد مسؤولية أفعاله، لا أن تُحمَّل تجربة كاملة أخطاء بعض المنتسبين إليها.
إن محاسبة الفاسدين واجب لا خلاف عليه، بل هي أساس بناء الدولة، لكن محاسبة الأفراد شيء، ومحو الإنجازات أو تجاهلها شيء آخر. فالمشاريع التي أُنجزت، والسياسات التي أثمرت، والنتائج التي تحققت، تبقى جزءاً من سجل الدولة، ولا ينبغي أن تضيع بسبب فساد هذا المسؤول أو تقصير ذاك.
لماذا تُهمَّش الإنجازات؟
هذه الظاهرة ليست عراقية فقط، بل تكاد تكون سمة متكررة في كثير من الأنظمة السياسية.
فعندما تتغير الحكومات، تبدأ في الغالب معركة جديدة على الرواية؛ إذ يسعى كل طرف إلى إبراز ما يخدم صورته السياسية، بينما تتراجع الحقائق الموضوعية أمام ضجيج الخطاب الإعلامي والاستقطاب الحزبي.
ولهذا، فإن كثيراً من الإنجازات لا تضيع لأنها لم تحدث، بل لأنها لم تُوثَّق كما ينبغي، أو لأنها أصبحت ضحية للصراع السياسي.
ذاكرة وطنية لا ذاكرة حزبية
إن الدول التي تحترم تاريخها لا تؤلّه المسؤولين، ولا تشطبهم من الذاكرة بمجرد انتهاء ولاياتهم.
فالإنجاز يُسجل لصاحبه، والخطأ يُسجل أيضاً، ويُترك الحكم النهائي للمؤرخين والباحثين، لا لانفعالات اللحظة السياسية.
إنصاف تجربة محمد شياع السوداني لا يعني الادعاء بأنها كانت خالية من الأخطاء، كما أن وجود حالات فساد أو تقصير داخل بعض مؤسسات الدولة خلال تلك المرحلة لا ينبغي أن يكون مبرراً لإلغاء ما تحقق من منجزات أو التقليل من أثرها.
فالقراءة المنصفة للتاريخ لا تُبنى على الانتقائية، بل على رؤية متوازنة تُحاسب المخطئ، وتُكرّم المنجز، وتفصل بين المسؤولية الفردية والحصيلة الوطنية.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحكومات عابرة، أما ما يبقى حقاً فهو أثرها في حياة الناس. والتاريخ لا ينصف من يرفع صوته أكثر، بل من يترك وراءه وقائع وإنجازات يمكن للأجيال أن تراها وتلمسها وتحكم عليها بموضوعية.






