سعيد الجياشي يكتب/الخيار الأصح للعراق استراتيجيًا

يمرّ العراق بمرحلة حساسة مليئة بالتحديات، أبرزها استكمال الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة قادرة على التعامل مع الواقع المعقّد الذي يعيشه البلد.
وفي خضم الحوارات والتفاهمات بين القوى السياسية لإكمال تشكيل الحكومة، بدأت تظهر رسائل واضحة، داخلية وخارجية، تحدد ما هو مطلوب من الحكومة المقبلة، وما هي الخطوط التي يُفترض عدم تجاوزها. هذه الرسائل تأتي في وقت يراقب فيه المجتمعان الدولي والإقليمي المشهد العراقي عن قرب، ويبنيان مواقفهما على شكل الحكومة القادمة واتجاهاتها.
كل ذلك يحدث وسط بيئة إقليمية مضطربة، وصراعات متشابكة، إلى جانب وضع داخلي لا يقل تعقيدًا، يعاني من أزمات سياسية واقتصادية متراكمة، وضغط شعبي متزايد بسبب الأوضاع المعيشية.
السؤال الأهم اليوم هو: ما هو الخيار الاستراتيجي الصحيح للعراق؟
والإجابة يجب أن تنطلق من رؤية عراقية خالصة، بعيدة عن الإملاءات، وقائمة على قراءة واقعية للمشهد.
في عالم السياسة، لا توجد مواقف ثابتة مطلقة، بل توجد معادلات تحكمها المصلحة الوطنية العليا،
و المصالح المشتركة مع الأصدقاء والحلفاء، والقدرة على المناورة لتجنب الأخطار في الأوقات الصعبة.
من هنا، يحتاج العراق إلى التعامل بواقعية وهدوء مع هذه المعادلات، وتكييف قراراته بما يخدم أمنه القومي أولًا، مع الانتباه الشديد لمواقف القوى الدولية والإقليمية التي تنتظر شكل الحكومة المقبلة لتحدد طريقة تعاملها مع بغداد.
الواقع يقول إن العراق يقف على أرض هشّة:
اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط والدولار، ومزاج شعبي سريع التغيّر بفعل الظروف المعيشية، وشعب أنهكته الأزمات والحروب وما زال في مرحلة التعافي، إلى جانب انقسام سياسي واضح رغم محاولات التفاهم.
الطريق ليس سهلًا، والخيارات أصعب، لكن بوصلـة النجاة الوحيدة هي تقديم مصلحة الأمن القومي العراقي فوق كل اعتبار.
ولعل تجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية تقدم مثالًا مهمًا. فقد بقيت لعقود من دون استراتيجية أمن قومي واضحة، إلى أن جاءت الحرب الروسية – الأوكرانية، فوجدت نفسها أمام سؤال مصيري: من نحن؟
اضطرت حينها إلى صياغة أول استراتيجية أمن قومي أُقرت نهاية عام 2022، وصنّفت فيها بعض الدول بثلاث توصيفات في آنٍ واحد: عدو سياسيًا، شريك تكنولوجيًا، وحليف تجاريًا. هذا التصنيف المرن سمح لها بحماية مصالحها دون الوقوع في صدامات غير محسوبة.
العراق اليوم بحاجة إلى مقاربة مشابهة، تقوم على توصيف ذكي ومتوازن للدول، بما يساعد صُنّاع القرار على التعامل مع التعقيدات السياسية والاستراتيجية بأقل الخسائر الممكنة.
في النهاية، يبقى الانتماء الحقيقي للوطن هو الطريق الوحيد للخروج من هذه المرحلة الصعبة، وبغيره ستبقى الأزمات تتكرر بأشكال مختلفة.
“ياريت قومي يعلمون”.






