د.قيس الرضوانى يكتب:رجل التوازنات الصعبة الرئيس مسعود بارزاني والبحث عن استقرار الكورد في سوريا
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تعود فيها سوريا إلى واجهة الاشتباك السياسي والأمني، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذ والتوازنات، يبرز الرئيس مسعود بارزاني بوصفه أحد القلائل الذين اختاروا طريقًا مغايرًا:
الدفاع عن الحقوق القومية من بوابة الدبلوماسية، لا من منطق المغامرة أو التصعيد.
فمنذ اندلاع الأزمة السورية، لم يتعامل بارزاني مع قضية الكورد في سوريا بوصفها ملفًا عابرًا أو ورقة ضغط ظرفية، بل كجزء أصيل من معادلة الاستقرار الإقليمي.
فبالنسبة له، لم تكن حماية الكورد مسألة تضامن قومي فقط، بل شرطًا لازمًا لأي تسوية سياسية قابلة للحياة في سوريا.
ولهذا، كثّف تحركاته واتصالاته السياسية، سعيًا لفتح قنوات مباشرة وغير مباشرة مع الأطراف السورية المعنية، واضعًا هدفًا واضحًا:
طمأنة الكورد وضمان حقوقهم السياسية والثقافية والأمنية ضمن سوريا موحّدة، لا على هامشها.
وفي وقت اختارت فيه أطراف عديدة لغة السلاح أو التصعيد الإعلامي، اعتمد بارزاني دبلوماسية هادئة، بعيدة عن الاستعراض.
اتصالات، مبادرات، رسائل سياسية مدروسة، وحرص دائم على خفض التوتر بدل الاستثمار فيه.
هذا النهج لم يكن انعكاسًا للضعف، بل تعبيرًا عن ثقة سياسية بقدرة الحوار على تحقيق ما تعجز عنه المواجهة، وعن إدراك عميق بأن أي انفجار جديد في شمال سوريا لن يدفع ثمنه سوى المدنيين، وفي مقدمتهم الكورد.
يدرك الزعيم مسعود بارزاني أن الحقوق لا تُنتزع بصفوف منقسمة.
لذلك، وضع توحيد الموقف الكوردي في سوريا في صدارة أولوياته، باعتباره المدخل الحقيقي لأي تمثيل فاعل في العملية السياسية السورية.
من أربيل، حاول أن يؤسس لمساحة تلاقٍ بين القوى الكوردية المختلفة، بعيدًا عن الاستقطابات الحادة، إيمانًا منه بأن الانقسام هو الهدية الأكبر التي يمكن أن تُقدَّم لخصوم القضية الكوردية.
ما يميّز مسعود بارزاني اليوم ليس فقط رمزيته التاريخية، بل تحوّله إلى مرجعية توازن في إقليم يعجّ بالصراعات.
هو زعيم قومي، نعم، لكنه في الوقت نفسه رجل دولة يدرك حدود القوة، ويعرف متى تكون الحكمة أكثر نفعًا من الانفعال.
لهذا، ينظر إليه كثيرون في العواصم الإقليمية والدولية باعتباره صوتًا عاقلًا يمكن الوثوق به في لحظات الانسداد، ووسيطًا غير معلن في ملفات شديدة التعقيد.
في عالم شرق أوسطي أنهكته الحروب، لا يبدو السلام شعارًا جذّابًا.
لكن بارزاني يقدّمه كخيار استراتيجي طويل النفس، لا كتنازل، بل كأداة لحماية الشعوب وحقوقها من الانهيار.
ومن يقف اليوم مع هذا النهج، لا يقف مع شخص، بل مع رؤية ترى أن النصر الحقيقي هو أن يبقى الشعب حيًا، وحقوقه محفوظة، ومستقبله ممكنًا.






