د.قيس الرضوانى يكتب:التاريخ مشترك… لكن المشهد خالٍ! من يُعطّل الحضور الثقافي بين العراق والسعودية

في عالمٍ باتت فيه الثقافة هي الجسر الأخير الذي لم تُدمّره الصراعات، يُطرح سؤالٌ مؤجَّل بإلحاحٍ خافت:
لماذا لم يشهد العراق والمملكة العربية السعودية حتى الآن تعاونًا فنيًا وثقافيًا حقيقيًا، يليق بحجم ما يجمع بينهما من إرث وهوية ومصير؟
لا خلاف على أن التاريخ لا يُملى من الجغرافيا، لكنه غالبًا ما يُشكَّل بها. والعراق والسعودية ليسا بلدين متجاورين فحسب، بل روحان منسوجتان بخيوط العروبة والإسلام والتقاليد الضاربة في عمق الوجدان العربي. ومن هنا، فإن غياب التعاون الثقافي والفني بين بغداد والرياض ليس فراغًا عرضيًا… بل علامة استفهام معلّقة تحتاج إلى من يُنزلها من فضاء الصمت إلى مائدة الحوار.
من الذي لا يُريد أن تُقام مهرجانات سينمائية وموسيقية ومسرحية مشتركة بين البلدين؟
من الذي يَخشى أن تتلاقى الأفكار العراقية العميقة مع الروح السعودية المتجددة في مواسمها الثقافية؟
ومن الذي ما زال يراهن على أن الفنون والآداب يمكن أن تُحبس خلف جدران السياسة؟
في الوقت الذي تخوض فيه السعودية تحوّلًا ثقافيًا رائدًا عبر “رؤية 2030”، وتفتح أبوابها للموسيقى والسينما والمسرح والفكر، يقف العراق هو الآخر عند مفترق طرق:
إما أن يُعيد ربط جسور روحه بالعالم العربي من خلال الثقافة والفن، أو أن يظل أسير عزلةٍ غير مبرّرة تاريخيًا ولا واقعيًا.
الذي لا يُريد لهذا التعاون أن يتحقّق، هو ذاته من يُراهن على بقاء العراق خارج منظومة التفاعل الخليجي والعربي الأوسع.
وهو ذاته من يُخيف الناس من “الاختلاط الثقافي”، ويفرّغ العروبة من مضمونها الحضاري، ويُغلق نوافذ الروح باسم “الخصوصية” أو “الحساسيات”.
لكن الزمن تغيّر، ومفردات التأثير لم تعد تُصاغ في مكاتب السياسة وحدها.
الفيلم، والموسيقى، والرواية، والمسلسل، والمعرض، والمقال… أصبحت أدوات السيادة الناعمة، وجوازات عبور بين الشعوب حين تتعثّر الدبلوماسية.
ليس المطلوب إنشاء وزارة جديدة، بل إرادة جديدة.
ليس المطلوب اتفاقيات مطوّلة، بل مبادرات صادقة:
• فرقة مسرحية عراقية تُعرض في الرياض.
• فنان تشكيلي سعودي يُكرَّم في بغداد.
• إنتاج درامي مشترك يُعرض على منصات عربية كبرى.
• منتدى ثقافي يُعيد رسم صورة “الهوية المشتركة”.
هذه ليست أحلامًا… بل بدايات ممكنة، لو وُجد القرار.
إن العراق، الذي لطالما كان منارة للفكر العربي، لا يمكن أن يبقى بعيدًا عن المشهد الثقافي الخليجي وهو الذي أنجب السيّاب والجواهري وزها حديد.
كما أن السعودية، التي تخوض مغامرة التحديث بثقة، لا يمكن أن تستغني عن العراق إذا أرادت لنهضتها أن تكتمل بعمقها الحضاري.
ختامًا، لن تزهر النخلة وحدها… ولن تُثمر الزيتونة في العُزلة.
الخصب الحقيقي، دائمًا، ما يكون حين تلتقي الجذور وتتبادل الأرضان الماء.
كسر الجمود الثقافي لا ينتظر توقيعًا سياسيًا… بل شرارة يطلقها المبدعون.
فليبدأ اللقاء من المسرح، من الأغنية، من القصيدة…
فالشعوب تلتقي قبل أن تلتقي الحكومات
فهل ننتظر طويلًا… أم نبدأ الآن؟






