ads
ads
أهم الأخبارعربى ودولى

محمد الدايني… رجلٌ لم يساوم على الحقيقة فصنع مجده من الصمت واليقين

بقلم:د.دينا دياب

في زمنٍ التبست فيه المواقف وتبدّلت فيه الولاءات، برز اسم محمد الدايني كواحدٍ من أكثر السياسيين العراقيين جرأةً وصدقًا في مواجهة الظلم. لم يكن طارئًا على المشهد، بل جاء إليه محمّلًا برؤيةٍ إنسانيةٍ راسخة، وبإيمانٍ عميقٍ بأن السياسة يمكن أن تكون ساحةً للحق، لا ميدانًا للخصومة.

وُلِد محمد الدايني في بغداد في بيئةٍ برجوازيةٍ متأصلة في القيم والتقاليد حيث جمعت بين الثراء المادي والرقي الثقافي، فشبَّ على الوعي والانفتاح، وتربّى على قيم الكرامة والاستقلال. من هناك، تفتحت ملامح شخصيته التي جمعت بين الصلابة الفكرية واللياقة الإنسانية، ليشق طريقه بثقةٍ نحو العمل العام، مؤمنًا بأن خدمة الوطن لا تحتاج إلى شعاراتٍ بقدر ما تحتاج إلى ضميرٍ حيّ.

حين دخل البرلمان ممثلًا عن محافظة ديالى، لم يكن باحثًا عن مكانٍ تحت الأضواء، بل عن صوتٍ للحق بين الضجيج. عرفه العراقيون بمداخلاته الجريئة، وكلماته التي كانت تُشبه الطلقات، دفاعًا عن المعتقلين والمظلومين والمهمَّشين. لم يكن يخشى الاصطدام، لأن من تربّى على الكرامة لا يخاف من الموقف، مهما كانت كلفته.

وفي عام 2009، واجه الدايني واحدةً من أعقد المحن السياسية في تاريخ العراق الحديث، بعد أن أُقحِم في ملفٍ اتُّهم فيه ظلمًا بالإرهاب. تحوّلت القضية من نزاعٍ قضائي إلى حملةٍ سياسيةٍ شرسة، لكنه اختار الصمت الواثق بدل الضجيج، والإيمان بدل الانكسار. وبعد سنواتٍ من المنفى القسري، جاءت الحقيقة من أبواب العدالة الدولية: تقرير الاتحاد البرلماني الدولي عام 2012 الذي أكد أن القضية سياسية الطابع، وأن الاتهامات افتقرت إلى المصداقية.

حين عاد إلى بغداد، عاد مرفوع الرأس، لا بصفته مبرّأً من تهمة، بل منتصرًا على منظومةٍ حاولت إسقاطه. سلّم نفسه طوعًا للقضاء العراقي، وخرج منه أكثر قوةً وإشراقًا، بعدما قال الحكم كلمته: براءةٌ كاملةٌ لرجلٍ لم يَخُن وطنه يومًا.

لكن الأعظم من البراءة، كان تحوّله الإنساني والفكري؛ فبدل أن يعود غاضبًا أو ناقمًا، عاد داعيًا إلى المصالحة الوطنية، وإلى تجاوز الجراح لبناء عراقٍ لا مكان فيه للثأر والكراهية. تحدّث بهدوء الحكماء لا بمرارة المجروحين، وكأنما أراد أن يقول: “إن من يعرف طعم الظلم، لا يمكن أن يظلم أحدًا بعده.”

اليوم، يُنظر إلى محمد الدايني بوصفه رمزًا نادرًا في السياسة العراقية الحديثة؛ رجلٌ صمد حين انهار كثيرون، وواجه حين تراجع الآخرون، وظلّ مؤمنًا بأن الحق لا يُؤخذ بالصوت العالي بل بثبات الموقف. صوته اليوم ليس دفاعًا عن الذات، بل دفاعٌ عن فكرة العراق المتوازن، العراق الذي يتصالح مع تاريخه وينهض من رماده بلا أحقاد.

ومهما اختلفت الآراء حوله، يبقى محمد الدايني واحدًا من أولئك الذين جعلوا من المحنة وسامًا، ومن الألم طريقًا إلى الحكمة.
فهو لم ينتظر أن يكتب التاريخ عنه… بل كتب هو التاريخ بيده، حين واجه الجميع بابتسامةٍ واثقة، قائلاً:

“العدالة لا تحتاج إلى ضجيج… يكفي أن يسمعها الله.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى