د.قيس الرضوانى يكتب:مسعود بارزاني… حين يتحدث التاريخ بصوت المستقبل

في لحظةٍ سياسيةٍ شديدة التعقيد، تَصدّر حديثُ فخامة الرئيس مسعود بارزاني المشهد العراقي مجددًا، لا بوصفه زعيمًا انتخابيًا، بل كصوتٍ يعيد التوازن إلى الخطاب الوطني، ويذكّر الجميع بأنّ كوردستان ليست رقعةً من الأرض، بل فكرةٌ وضميرٌ ومعنى لوطنٍ يتطلع إلى مستقبلٍ مختلف.
كانت المقابلة الأخيرة مع الرئيس بارزاني أشبه ببيانٍ سياسيٍّ وإنسانيٍّ في آنٍ واحد، حملت في مضمونها رسائل عميقة تتجاوز حدود الإقليم لتلامس جوهر العراق نفسه.
حين قال الرئيس بارزاني عبارته الشهيرة: «دع الأفعال تتحدث وليس الكلام»، لامس وجدان الناس قبل عقولهم.
فما تحقق في كوردستان خلال السنوات الأخيرة لم يكن نتاج مواردٍ ضخمة، بل ثمرة إرادةٍ وإدارةٍ تعرف ما تريد.
فالكهرباء المستقرة، والأمن الراسخ، والتنمية المتصاعدة، ليست مظاهر خدمية بقدر ما هي انعكاسٌ لرؤيةٍ قياديةٍ ترى في الإنسان محور النهضة.
لقد أثبت الإقليم أن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالتخطيط والعمل، وأنّ قلة الموارد ليست عذرًا أمام غزارة الإرادة.
في مقابلته الأخيرة، تحدث الرئيس بارزاني بلغةٍ متّزنة تجمع بين الصراحة والرصانة.
انتقد الفوضى الإدارية في بغداد، لكنه لم يتبنَّ خطاب المواجهة، بل دعا إلى إصلاحٍ سياسي حقيقي يقوم على الشراكة والتوازن والتوافق.
هي معادلة يعرفها الرجل جيدًا منذ 2003، حين كان أحد مهندسي العراق الجديد وساهم في صياغة دستوره الذي ما زال يدافع عنه اليوم كعقدٍ وطنيٍّ لا كأداةٍ للصراع.
لقد نجح بارزاني مجددًا في إعادة تعريف «الواقعية السياسية» كقيمةٍ أخلاقية، لا كحيلةٍ تكتيكية.
وأكد الرئيس بارزاني في أكثر من موضع أن الدستور هو المرجع الأعلى، وأنّ التخلي عنه يعني عودة الاستبداد.
وفي هذا الموقف رسائل دقيقة موجّهة إلى النخب السياسية في بغداد مفادها أن «الفيدرالية ليست امتيازًا لكوردستان، بل ضمانة لوحدة العراق».
لقد أراد أن يقول بلغةٍ بسيطة: من يرفض الفيدرالية يرفض الدولة الحديثة، ومن يحتكم إلى الدستور يحمي العراق من التفكك لا من الوحدة.
المحور الأجمل في خطاب الرئيس كان إنسانيًا قبل أن يكون سياسيًا، حين تطرّق إلى ثقافة التعايش في الإقليم وقال:
“لم أسمع حتى الآن بجريمةٍ بسبب الدين أو المذهب”،
ليؤكد أنّ ما يميّز كوردستان ليس ازدهارها الاقتصادي فحسب، بل رقيّها الإنساني.
فالإقليم الذي احتضن الجميع دون تفرقة، من المسيحيين والإيزيديين إلى العرب الفارين من العنف، تحوّل إلى رمزٍ للسلام الأهلي.
وهي التجربة التي جعلت العالم ينظر إلى كوردستان بوصفها منطقة الاستقرار في شرقٍ مضطرب.
من بين سطور حديث الرئيس، يمكن قراءة ثلاث رسائل محورية:
1. إلى بغداد: أن العدالة لا المركزية هي ما يحفظ وحدة العراق.
2. إلى الكورد: أن وحدة الصف الداخلي أولوية وجودية، وأي خلاف داخلي هو خدمةٌ مجانية للخصوم.
3. إلى الرأي العام العربي: أن كوردستان لا تسعى للانفصال، بل تسعى لشراكةٍ عادلةٍ تحفظ الكرامة وتضمن الاحترام المتبادل.
أحدث الخطاب تفاعلاً سياسيًا واسعًا داخل العراق.
فقد رحّبت قوى سنّية ومعتدلة شيعية بطرحه “الهادئ والعقلاني”، فيما فضّل البعض في الإطار التنسيقي تفسيره بصفته “خطابًا انتخابيًا محسوبًا”.
لكنّ القاسم المشترك في كل ردود الأفعال كان الاعتراف بأنّ بارزاني ما زال الرقم الصعب في المعادلة العراقية، والقائد الذي يُصغي له الجميع حين تتداخل الأصوات.
لقد أعاد الحوار، ببساطته وعمقه، طرح السؤال الذي تهرب منه النخب منذ سنوات: كيف نحكم العراق بعدل؟
بعيدًا عن السياسة، تبقى شخصية مسعود بارزاني حالةً فريدة في المشهد العراقي — رجلٌ يجمع بين صلابة المقاتل وحكمة الشيخ، وبين التواضع والهيبة.
لا يرفع صوته، لكنه يفرض احترامه.
يختلف مع الآخرين، لكنه لا يعاديهم.
ولعلّ هذه المعادلة بالذات هي التي جعلته، كما وصفه أحد المحللين، “قائدًا من طرازٍ لا يتكرر مرتين في الجغرافيا ذاتها”.
إنّ خطاب فخامة الرئيس بارزاني الأخير لم يكن بيانًا انتخابيًا بقدر ما كان وثيقة وعي وكرامة.
فهو لم يطلب شيئًا لشخصه، بل دعا إلى ما يضمن بقاء الدولة وعدالة المواطن.
وفي زمنٍ تاهت فيه البوصلة بين السلطة والوطن، يُعيد بارزاني تعريف القيادة بأنها مسؤوليةٌ لا مكسب، وعهدٌ لا موقع.
لقد قالها بوضوحٍ ودون ضجيج:
“لن نركع لأي ابتزاز، ولن نقبل بأقل من استحقاقنا الدستوري.”
جملة تختصر تاريخ كوردستان كله: مقاومةٌ بلا حقد، وصمودٌ بلا تهور، وإيمانٌ بأنّ الشراكة الحقيقية لا تُفرض بالقوة، بل تُصنع بالثقة.






