المؤتمر العلمي الدولي السابع عشر يرسم ملامح وعيٍ جديد للعراق والمنطقة
أربيل… حين تتحوّل المدينة إلى منبرٍ للمعرفة

كتب:د. قيس الرضواني
في صباحٍ مشرق تسري فيه روح العلم، وتتعانق فيه الأفكار قبل الكلمات، نهضت أربيل — مدينة التاريخ والذاكرة — يوم الخميس الموافق 19 تشرين الثاني 2025 لتعلن من جديد أنها ليست مجرد مدينة، بل منبرٌ للمعرفة، وفضاءٌ لصناعة الوعي، ومركزٌ يليق بالعقول الباحثة عن الحقيقة.
فقد احتضنت جامعة صلاح الدين فعاليات المؤتمر العلمي الدولي السابع عشر تحت عنوان:
«جدلية الوعي والهوية في مواجهة التحولات العالمية… رؤى متعددة الاختصاصات»

وقد انعقد المؤتمر في قاعة المركز الثقافي الأكاديمي، برعاية معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور نعيم العبودي، ومعالي رئيس ديوان الوقف السني الأستاذ الدكتور عامر شاكر الجنابي، وبحضور نخبة من الشخصيات الأكاديمية والدينية والوطنية والعربية التي أضفت على الحدث بُعدًا احتفاليًا يعكس قيمة المعرفة حين تُكرَّم في ساحات العلم.
مشهد علمي مهيب… واحتفال بالفكر قبل الكلمات

قبل بدء الجلسات، كانت أروقة القاعة تضج بالحركة والنقاش، وبالحوارات التي تجمع بين أساتذة مخضرمين، وشباب يحملون شغف البحث، وخبراء جاءوا من محافظات العراق كافة ومن دول عربية عديدة.
كان المشهد لافتًا:
أربيل تستيقظ على مهرجان فكري، وعرس علمي يُشعرك بأن المعرفة قادرة حقًا على جمع المختلفين في رؤية واحدة… رؤية المستقبل.
لقد بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى أنّ هذا المؤتمر ليس ملتقى عابرًا، بل حدث علمي يحتفي بالعقل ويعيد الاعتبار للبحث الجاد، في زمن تتسارع فيه التحوّلات العالمية وتزداد الحاجة إلى قراءة واعية للهوية والوعي الجمعي.

كلمة الافتتاح… حين يتحد العلم مع المسؤولية
وترأس فعاليات المؤتمر السيد أحمد جميل المدرس، مدير مركز وعي للاستشارات وبناء القدرات، الذي ألقى كلمة افتتاحية تحمل الكثير من العمق، مؤكّدًا أن المؤتمرات العلمية تمثّل ركيزة أساسية في بناء الدول الحديثة، وأنها ليست مجرد منصّات لعرض الأبحاث، بل مساحات لإنتاج الأفكار ورسم السياسات الثقافية والعلمية.
وشدّد المدرس على أن العراق يقف اليوم أمام منعطفات كبرى تتطلب وعيًا راسخًا بهويته، وفهمًا نقديًا للتحولات العالمية، وقدرة على استيعاب تأثير التكنولوجيا والثقافة والتعليم في تشكيل ملامح المستقبل.

جلسات علمية تضيء أسئلة العصر
توزعت الجلسات العلمية على محاور متعددة، جاءت جميعها في صلب القضايا التي تشغل العالم اليوم، ومنها:
• تحولات الهوية الوطنية وتحديات الثبات والتغيير.
• الوعي الجمعي في المجتمعات الحديثة وتأثير المتغيرات الاجتماعية.
• انعكاسات التكنولوجيا والثورة الرقمية على البُنى الفكرية.
• قراءات نقدية للخطاب الديني والثقافي والإعلامي.
• استشراف مستقبل الفكر الإنساني في ظل عالم سريع التحول.
وقدّم الباحثون أوراقًا علمية اتسمت بالجدية والمنهجية، وفتحت نقاشات ثرية، وطرحت أسئلة جريئة تلامس الواقع، وتستشرف مستقبلًا يتطلب بحثًا أكثر عمقًا ووعيًا.

توصيات… تحمل روح المستقبل
وفي ختام أعماله، خرج المؤتمر بجملة من التوصيات التي عكست حجم التحليل والمسؤولية التي شهدتها الجلسات، ومن أبرزها:
1. تعزيز التعاون العلمي والبحثي بين الجامعات العراقية والعربية والدولية.
2. إطلاق برامج بحثية متخصصة في قضايا الوعي والهوية وتحولاتهما.
3. زيادة الدعم المؤسسي والحكومي للبحث العلمي والابتكار.
4. اعتماد المؤتمر منصة علمية سنوية لترسيخ الحوار وإنتاج المعرفة.
5. تشجيع الأبحاث العابرة للتخصصات التي تجمع بين العلوم الإنسانية والعلوم الحديثة.

أربيل… مدينة تتسع للعالم وتولّد الوعي
واختُتم المؤتمر بتأكيد الحاضرين أن أربيل أثبتت مرة أخرى أنها ليست مدينة تستضيف مؤتمرات فقط، بل مدينة تحوّل العلم إلى فعلٍ يومي، وتحوّل الهوية إلى مشروع وطني، وتحوّل الوعي إلى طاقة تغيّر المستقبل.
إنها مدينة تجمع الباحثين، وتفتح الباب أمام الأفكار، وتكتب — بكل ثقة — فصلًا جديدًا من فصول النهضة العلمية في العراق والمنطقة.
أربيل… ليست مكانًا للحدث، بل الحدث نفسه.






