ads
ads
أهم الأخبارمقالات

التمويل الأصغر في الشرق الأوسط: قروض صغيرة تصنع تحولات كبرى

بقلم الباحثة:نُهى كَرويّة

تشهد منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا في دور القروض الصغيرة بوصفها أداة تنموية فاعلة تُحدث أثرًا كبيرًا في حياة الأفراد والمجتمعات. فالتمويل الأصغر، الذي ارتبط تاريخيًا بتجارب جنوب آسيا، بات اليوم يعيد رسم ملامح الوصول إلى رأس المال، ويمنح ذوي الدخل المحدود فرصة لتأسيس مشاريعهم والمشاركة في النشاط الاقتصادي. وعلى الرغم من التحديات القائمة، تؤكد التجارب المبكرة في المنطقة أن نموذج بنك غرامين الذي أسسه الدكتور محمد يونس قابل للتكيّف مع الخصوصيات المحلية، ويمكن أن يسهم في الحد من بطالة الشباب، وتعزيز تمكين المرأة، وتقليص التهميش الاقتصادي.

مفهوم التمويل الأصغر

يقوم التمويل الأصغر في جوهره على تقديم خدمات مالية صغيرة النطاق للأفراد الذين غالبًا ما يكونون خارج المنظومة المصرفية التقليدية. وتشمل هذه الخدمات القروض متناهية الصغر، وحسابات الادخار، والتأمين، وخدمات الدفع. وعلى عكس البنوك التقليدية، تركّز مؤسسات التمويل الأصغر على الشمول المالي، بما يتيح للأفراد تأسيس أو توسيع مشاريعهم الصغيرة، أو تمويل التعليم، أو تحسين مستوى معيشتهم.

ويعتمد النموذج الذي طوّره محمد يونس وبنك غرامين في سبعينيات القرن الماضي على الإقراض دون ضمانات، والعمل الجماعي، والتركيز على النساء بوصفهن فئة محورية في التنمية. وقد أكد يونس أن الفقر ليس ناتجًا عن ضعف في الشخصية، بل عن نقص في فرص الوصول إلى رأس المال، وأن القروض الصغيرة يمكن أن تفتح أبواب الكرامة وريادة الأعمال للفئات الفقيرة.

نماذج إقليمية

1. الأردن: دعم رائدات الأعمال

أصبح التمويل الأصغر في الأردن أداة أساسية لتوسيع الفرص الاقتصادية، لا سيما بين النساء من ذوات الدخل المحدود. وتشير الدراسات إلى أن نسبة النساء من عملاء التمويل الأصغر بلغت نحو 65%، وفق تقرير إقليمي لعام 2018، ما يجعل الأردن من أكثر أسواق التمويل الأصغر تركيزًا على النوع الاجتماعي في الشرق الأوسط.

وقد مكّنت قروض صغيرة — غالبًا ما تقل عن ألف دولار — آلاف النساء من إنشاء مشاريع منزلية في مجالات الخياطة، والحرف اليدوية، وخدمات التجميل، والتموين الغذائي، والتجارة الصغيرة. وتعمل هذه المشاريع في الغالب ضمن القطاع غير الرسمي، حيث تكون الكلفة التشغيلية منخفضة، بينما يبقى الوصول إلى رأس المال محدودًا. وهنا يبرز التمويل الأصغر بوصفه جسرًا يربط المهارات المتوفرة بفرص الدخل المستدام.

كما شهد قطاع التمويل الأصغر الأردني تطورًا مؤسسيًا ملحوظًا، عبر أطر تنظيمية أقوى وتقارير ذات أثر اجتماعي. ولا يزال البعد الجندري حاضرًا بقوة، إذ تقترن القروض غالبًا ببرامج للتثقيف المالي، ومجموعات دعم مجتمعية، ودورات تدريب على إدارة الأعمال، بما يعزز الاستقلال الاقتصادي للمرأة على المدى الطويل.

2. مصر: توسيع الوصول في ظل الإصلاحات الاقتصادية

شهد قطاع التمويل الأصغر في مصر نموًا متسارعًا في السنوات الأخيرة، مدفوعًا بجهود الدولة لتوسيع الشمول المالي للفئات محدودة الدخل وأصحاب المشاريع الصغيرة.

وبحسب بيانات الاتحاد المصري لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، فقد تجاوزت محافظ التمويل الأصغر في مصر 101 مليار جنيه مصري حتى الربع الثاني من عام 2025، مستفيدةً منها أكثر من 4.1 ملايين عميل على مستوى الجمهورية. ويعكس هذا الرقم الأثر التراكمي للمؤسسات التمويلية، والجمعيات الأهلية المرخصة، وبرامج التمويل التابعة للقطاع المصرفي.

ويوجَّه هذا التمويل لدعم طيف واسع من المشروعات متناهية الصغر، خاصة العاملين في القطاع غير الرسمي وأصحاب الأنشطة البسيطة، بما يساهم في إدماجهم التدريجي في الاقتصاد الرسمي.

كما تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر تمثل نحو 98% من إجمالي الشركات في مصر، وتسهم بشكل كبير في التوظيف والنشاط الاقتصادي. وتندرج إصلاحات التمويل ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تحفيز القطاع الخاص وخلق فرص عمل جديدة.

3. المغرب: توسيع التمويل عبر التنظيم والتكنولوجيا

رسّخ المغرب موقعه كأحد الرواد الإقليميين في مجال التمويل الأصغر، إذ وصل إلى مئات الآلاف من المقترضين عبر شبكة متنامية من المؤسسات. وبنهاية عام 2024، بلغ حجم محافظ التمويل الصغير نحو 9.5 مليارات درهم، وقرابة 90% منها موجّهللمشروعات متناهية الصغر.

وقد عززت الإصلاحات التنظيمية الأخيرة، لاسيما المرسوم رقم 2.25.450 المكمل للقانون 50.20، من مستوى الرقابة ووسّعت نطاق الوصول التمويلي للفئات محدودة الدخل والمشروعات الصغيرة جدًا.

واستفادت المناطق الريفية على نحو خاص من هذه التطورات، حيث أظهرت تقييمات برامج التمويل — ولا سيما التي نفذتها مؤسسة “الأمانة” — أن القروض الصغيرة ساعدت الأسر على الاستثمار في أنشطة الزراعة وتربية المواشي والعمل الحر. ومع ذلك، تحذر بعض الدراسات من أن أثر القروض على الدخل الإجمالي للأسرة أو الاستهلاك يبقى محدودًا نسبيًا في بعض الحالات.

أهمية التمويل الأصغر في الشرق الأوسط

يسهم التمويل الأصغر في مواجهة عدد من الإشكاليات المزمنة في المنطقة، من أبرزها:

• بطالة الشباب: تتيح القروض الصغيرة فرصًا أولية للشباب لتأسيس مشاريعهم واكتساب الخبرة العملية.

• مشاركة المرأة اقتصاديًا: يعزز التمويل الموجّه للنساء استقلاليتهن المالية ورفاه أسرهن.

• تنويع الاقتصاد: تدعم المشاريع الصغيرة وتقليل الاعتماد على الوظائف غير الرسمية.

• التخفيف من الأزمات: في البيئات الهشّة مثل لبنان وأجزاء من العراق، يلعب التمويل الأصغر دورًا في استقرار الاقتصادات المحلية ودعم المجتمعات المتضررة.

التحديات والاعتبارات

ورغم آفاقه الواعدة، لا يُعد التمويل الأصغر حلًا سحريًا. فارتفاع الكلف التشغيلية، وضعف الثقافة المالية، والثغرات التنظيمية، قد تحدّ من فعاليته. كما يحذر الخبراء من مخاطر تراكم المديونية إذا لم تُدعَم القروض بسياسات مكملة تشمل التدريب، وتسهيل الوصول للأسواق، والحماية الاجتماعية.

ويستلزم تكييف نموذج غرامين مع بيئة الشرق الأوسط مراعاة الخصوصيات الثقافية، ولا سيما ما يتعلق بالأعراف الجندرية وبُنى الأسرة والشبكات الاجتماعية. وتُظهر التجارب أن أنجح مؤسسات التمويل الأصغر هي تلك التي تدمج التمويل مع الإرشاد، وبناء القدرات، والمشاركة المجتمعية.

آفاق مستقبلية

لا يزال التمويل الأصغر في الشرق الأوسط في طور التطور. ومع تزايد اعتراف الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص بأهميته، يتوقع أن يلعب دورًا محوريًا في تحقيق النمو الشامل، خاصة مع التوسع في المنصات الرقمية والتقنيات المالية الحديثة.

وكما قالت إحدى المستفيدات في مصر:

“القرض الصغير لم يمنحني مشروعًا فحسب، بل أعطاني الثقة بأنني قادرة على تشكيل مستقبلي.”

وهكذا، فإن هذه القروض الصغيرة قد تحمل آثارًا كبيرة على الأفراد، والمجتمعات، ومسارات التنمية في المنطقة بأسرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى