ads
ads
أخبارأهم الأخبارغير مصنفمقالات

كفاح محمود يكتب:من القاهرة بدأت الحكاية.. كوردستان تحيي الذاكرة الكردية-المصرية

حين يصل رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني إلى القاهرة في زيارة رسمية، فالأمر لا يُقرأ بوصفه بروتوكولًا عابرًا، بل بوصفه استئنافًا لمسار طويل من علاقاتٍ تشكّلت بين كوردستان ومصر؛ دولةٍ تعرف كيف تجعل السياسة امتدادًا للثقافة، وكيف تُحوِّل الرموز إلى جسورٍ بين الشعوب، ومن هذا المعنى تحديدًا، تبدو الزيارة مناسبةً لاستحضار عمق تاريخي لا يزال حيًّا في الذاكرة الكردية، كما هو حاضرٌ في الحسّ المصري الذي اعتاد احتضان تنوّع المنطقة، لا محاصرته.

القاهرة في الوعي الكردي ليست مدينةً محبوبة فحسب، بل محطة تأسيس، ففي مصر صدرت أول صحيفة كردية حملت اسم “كردستان” أواخر القرن التاسع عشر، لتصبح القاهرة – بالمفهوم الثقافي – مهد الصحافة الكردية الحديثة، لم تكن الصحيفة مجرد صفحات تُوزّع ثم تُنسى، بل كانت إعلانًا مبكرًا عن حق اللغة في أن تُسمع، وحق الهوية في أن تُدوَّن، وحق الشعوب في أن تمتلك منبرًا يروي قصتها بلسانها، بعيدًا عن وصاية المركز وخطاب الإلغاء.

ثم جاءت مرحلة الخمسينيات لتضيف صفحة أخرى في السردية ذاتها، ففي زمنٍ كانت المنطقة تعيش صعود الأفكار التحررية والمدّ القومي، انفتحت القاهرة إعلاميًا على قضايا شعوب متعددة، ومن بينها الشعب الكردي، عبر إذاعة ناطقة بالكردية انطلقت من القاهرة. كانت الإذاعة – في ذلك الزمن – أقوى من صحيفة، وأوسع أثرًا من بيان سياسي، لأنها تصل إلى البيوت والقرى، وتُحافظ على اللغة في زمنٍ يضيق فيه المجال العام على اللغات غير الرسمية.

لكن ذروة الرمزية السياسية تجسدت في لحظةٍ كبرى حين استقبل الرئيس جمال عبد الناصر الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني، استقبال الزعماء، في نهاية الخمسينيات، عقب عودته من منفاه في الاتحاد السوفيتي. كان اللقاء رسالةً مزدوجة: احترامٌ لثقل القضية الكردية بوصفها قضية حقوق وهوية، وتأكيدٌ على أن الحلول لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالاعتراف المتبادل وبالتسويات التي تحترم الإنسان قبل الخرائط، ولم تكن تلك اللحظة يتيمة، فطوال سنوات الثورة الكردية، ظلت المواقف المصرية – في مجملها – أقرب إلى تفهّم المطالب الكردية العادلة، وإلى تشجيع المعالجات السياسية التي تمنع تحويل العراق إلى ساحة نزاعٍ دائم، هذا التوازن المصري كان، ولا يزال، إحدى نقاط القوة في السياسة الإقليمية: دعم استقرار الدول، دون إنكار حقوق مكوّناتها، والإيمان بأن التعدد ليس عبئًا إذا حُكم بمنطق المواطنة والشراكة.

وفي الحاضر، تبدو القاهرة أكثر قدرة على قراءة تعقيدات المنطقة، ليس لأنها بعيدة عنها، بل لأنها تملك تجربة دولة عميقة الجذور، تدرك أن الملفات القومية لا تُطفأ بالشعارات، وأن التعايش لا يُدار بالإنكار، ومن هنا، يرى كثيرون أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتعامل مع القضية الكردية بقدرٍ من الفهم الواقعي والبراغماتي؛ فهمٍ ينطلق من احترام حقوق الشعوب السياسية والثقافية، ومن إدراك أن الاستقرار الإقليمي يحتاج إلى حلولٍ عادلة لا تُنتج موجات صراع جديدة، ثم إن العلاقات لا تُختزل في السياسة وحدها، مصر – بحضارتها وعمقها – كانت وما تزال “جامعةً مفتوحة” لكل شعوب المنطقة، ويكفي أن نستحضر رموز الأدب والفكر والفن الذين صاغوا وجدان العرب لعقود؛ من أحمد شوقي والعقاد وغيرهما من عمالقة الكلمة، إلى نجاة الصغيرة وسعاد حسني ومحمود المليجي، وصولًا إلى تجارب إخراجية راسخة في السينما المصرية، هذه القوة الناعمة ليست ترفًا ثقافيًا؛ إنها لغة تفاهم تتجاوز الحدود وتخلق احترامًا متبادلاً بين الشعوب قبل الحكومات.

ولا يمكن إغفال مكانة الأزهر بوصفه مرجعية علمية وروحية عابرة للحدود، تتمتع بعلاقات واسعة مع المؤسسات الحكومية والأكاديمية، وتملك قدرةً على ترسيخ خطاب الاعتدال والتعايش في منطقةٍ تُستهدف فيها المجتمعات بإيديولوجيات التطرف، إن توسيع مجالات التعاون الأكاديمي والثقافي بين مؤسسات الإقليم ومؤسسات مصر، يمنح العلاقات بعدًا مستدامًا لا تهزّه التقلبات السياسية.

وعلى المستوى الدبلوماسي، يعتز إقليم كوردستان بالحضور المصري الرسمي في أربيل عبر القنصلية، التي تحظى باحترام واهتمام كبيرين من قيادة الإقليم، ليس فقط لما تقدمه من خدمات قنصلية، بل لأنها تعكس إرادة سياسية في الحفاظ على صلة مباشرة مع الإقليم، وتعزيز التفاهم في ملفات الاستثمار والتعليم والتبادل الثقافي والاقتصادي خاصة لانه الوجه العملي الأكثر دلالة على نضج العلاقة، فهناك شركات مصرية تعمل في كوردستان في مجالات متعددة، وتوجد جالية مصرية كبيرة تحظى بمحبة واحترام متميزين من شعب كوردستان، هذا الحضور لا يقرأ بوصفه أرقامًا في سوق عمل فحسب، بل بوصفه رابطًا إنسانيًا يوميًا يترجم العلاقات الرسمية إلى ثقة اجتماعية ملموسة.

إن زيارة مسرور بارزاني إلى مصر، في هذا السياق، ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات المشتركة: دفع التعاون الاقتصادي والاستثماري، توسيع برامج التبادل التعليمي والثقافي، تنشيط السياحة والرحلات، وبناء قنوات تنسيق سياسي هادئة في زمنٍ يموج بالاستقطاب، والأهم من ذلك كله: تحويل الذاكرة المشتركة – صحيفةٌ وميكروفونٌ ولقاءُ زعيمين – إلى برنامج عمل يليق بتاريخ القاهرة ومكانة كوردستان داخل العراق والمنطقة، فالعلاقات التي تقف على أرض التاريخ، إذا أُديرت بعقلٍ رصين وبإدارةٍ وإرادةٍ وطنيّتَين خالصتَين، تصبح نموذجًا لما نحتاجه في الشرق الأوسط: شراكات تحترم الخصوصيات، وتُغلّب الحكمة على الصخب، وتؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأقصر إلى أمنٍ مستدام وازدهارٍ مشترك.

نقلا عن العدد ٥٩ من مجلة الاقتصاد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى