د.قيس الرضوانى يكتب:قراءة سيادية في استحقاق رئاسة الجمهورية العراقية
مبادرة دولة… لا رغبة أشخاص

في المراحل المفصلية من تاريخ الدول، لا تُطرح الأفكار الكبرى بوصفها رغبات أفراد، ولا تُقاس الخيارات السيادية بميزان الطموح الشخصي، بل تُصاغ كمبادرات دولة، تنبع من الحاجة الوطنية، وتُبنى على قراءة هادئة لمعادلات الداخل، وموازين الإقليم، وتحولات العالم.
ومن هذا المنظور تحديدًا، تأتي هذه المقالة كمبادرة فكرية وطنية مستقلة، لا تمثل موقفًا سياسيًا لجهة بعينها، ولا تعبّر عن رغبة أو تحرك أو علم مسبق لأي شخصية، بل تسعى إلى فتح نقاشٍ مسؤول حول المواصفات المطلوبة لرئيس جمهورية العراق في هذه المرحلة الحساسة.
إن رئاسة الجمهورية، في نظامٍ تعددي معقّد كالنظام العراقي، ليست موقعًا بروتوكوليًا، ولا ساحة صراع سياسي، بل ركيزة توازن، وضمانة دستورية، وجسر تهدئة بين السلطات والمكونات، وعنوان ثقة في الداخل، وواجهة عقلانية في الخارج.
العراق يحتاج رئيسًا يهدّئ… لا يربك
الدولة العراقية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى رئيس جمهورية:
• لا يدخل في منافسة مع السلطة التنفيذية، بل يساندها ويخفف عنها الضغوط.
• لا يتحول إلى طرف في الاستقطاب، بل يبقى فوقه.
• لا يفتح جبهات سياسية جديدة، بل يغلقها بحكمة.
• ولا يُستخدم كأداة صراع، بل كصمّام أمان.
هذه ليست صفات مثالية، بل شروط واقعية تفرضها طبيعة المرحلة، وتشابك الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وحساسية الموقع العراقي في الإقليم والعالم.
حين تلتقي المواصفات مع التجربة
انطلاقًا من هذه القراءة، يبرز اسم نيجيرفان بارزاني بوصفه أحد النماذج التي تنطبق عليها هذه المواصفات، لا باعتباره مرشحًا، ولا طرفًا في نقاشٍ لم يسعَ إليه، ولا صاحب رغبة أو مشروع شخصي، بل كشخصية سياسية أظهرت خلال سنوات طويلة قدرة لافتة على إدارة التوازنات، واحتواء الأزمات، والتعامل الهادئ مع الملفات الحساسة.
لقد قدّم نيجيرفان بارزاني نموذجًا لرجل الدولة الذي يقدّم الاستقرار على الخطاب، والمؤسسات على الشعبوية، والحوار على التصعيد. وهو يمتلك شبكة علاقات دولية راسخة، وثقافة سياسية واسعة، وتجربة عملية في إدارة شؤون الحكم ضمن بيئة شديدة التعقيد، ما يجعله خيارًا قابلًا للنقاش في إطار البحث عن الاستقرار، لا مشروعًا مفروضًا ولا طموحًا مُعلنًا.
رسالة إلى بغداد: الاتفاق قوة… لا ضعف
إن أي توافق وطني حول رئاسة الجمهورية، إذا ما استند إلى العقلانية لا الغلبة، وإلى الدولة لا الكتل، فإنه يُشكّل رسالة قوة لا ضعف، ويمنح الحكومة هامش عمل أوسع، ويعيد للمؤسسة الرئاسية دورها الطبيعي كحَكَم وضامن لا كمنافس أو عبء.
كما أن اختيار شخصية تحظى بقبول داخلي وخارجي، وتُجيد مخاطبة العواصم الإقليمية والدولية بلغة المصالح لا الاستفزاز، من شأنه أن يعزز موقع العراق، ويخفف الضغوط عنه، ويمنحه استقرارًا سياسيًا يحتاجه بشدة في هذه المرحلة.
توضيح سيادي لا بد منه
ومن باب المسؤولية السياسية والأمانة الوطنية، لا بد من التأكيد أن هذه المبادرة لا تعبّر عن رغبة شخصية، ولا عن تحرك سياسي، ولا عن علم مسبق من قبل نيجيرفان بارزاني، ولا تمثّل تفويضًا أو طلبًا أو حملة ترشيح من أي نوع.
إنها قراءة دولة، ومقترح نقاش، ورؤية تُطرح أمام القوى السياسية العراقية بكل احترام، لتقديرها، أو مناقشتها، أو تجاوزها، وفق ما تراه مصلحة العراق العليا، دون إحراج لأحد، ودون زجّ أي شخصية في سجالٍ لم تختره.
الخلاصة
العراق اليوم لا يحتاج رئيسًا يُثير الجدل، بل رئيسًا يُنهيه.
لا يحتاج خطابًا عالي النبرة، بل عقلًا هادئًا.
ولا يحتاج صراع أسماء، بل توافق دولة.
ومن هذا الباب فقط، يُطرح هذا النقاش…
مبادرة دولة، لا رغبة أشخاص،
وحوار وطني، لا سباق مناصب،
والحكم فيه للعراق أولًا وأخيرًا






