قاسم الأعرجي.. استراتيجية “الحافة الهادئة” وهندسة التوازن في المسار العراقي

بقلم: محرر الشؤون السياسية
في لحظة إقليمية فارقة، تتحول فيها الخرائط إلى حقول ألغام، وتكاد المنطقة تحبس أنفاسها تحت وطأة التصعيد، لا تُقاس قوة الدولة بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على اتخاذ القرار الأهدأ في التوقيت الأصعب. وسط هذا الضجيج الجيوسياسي، يبرز مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، بوصفه نموذجًا مختلفًا في إدارة التوازن، حيث لا يكتفي بالتعامل مع الأزمات بوصفها أحداثًا طارئة، بل يتعامل معها كمسارات يجب احتواؤها قبل أن تتحول إلى انفجارات مفتوحة.

هذا النهج تجلّى بوضوح في زيارته إلى مقر جهاز المخابرات الوطني عقب الاعتداء الذي استهدفه، حيث لم يكن الحضور مجرد تضامن بروتوكولي، بل رسالة سيادية عميقة مفادها أن مؤسسات الدولة الأمنية لا تنكسر تحت الضغط، وأن استهدافها هو استهداف مباشر لكيان الدولة. في تلك اللحظة، لم يكن الهدف إدارة حدث أمني، بل إعادة تثبيت المعنويات، وترسيخ قناعة بأن الدولة قادرة على حماية نفسها، حتى في أكثر اللحظات حساسية.

وبالتوازي مع هذا الحضور الأمني، يتحرك الأعرجي ضمن مسار دبلوماسي محسوب، يعكس فهمًا دقيقًا لتعقيدات الجغرافيا السياسية. فاستقباله للسفير التركي ومناقشة تداعيات العمليات العسكرية لم يكن مجرد لقاء عابر، بل جزءًا من رؤية أوسع تسعى إلى حماية العراق من الانزلاق إلى محور الصراعات. هنا، يتقدم مفهوم “التوازن” كخيار استراتيجي، لا بوصفه موقفًا وسطًا، بل كآلية لحماية المصالح الوطنية ومنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

غير أن ما يمنح هذا الحضور عمقه الحقيقي هو البعد الإنساني الذي يتجلى في اللحظات الأكثر حساسية. ففي مشاركته بعزاء شهداء الحشد الشعبي الذين سقطوا جراء القصف، لم يكن الأعرجي أمام واجب رسمي فحسب، بل أمام اختبار أخلاقي، أكّد من خلاله أن الدم العراقي لا يُصنّف، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها. وفي هذا السياق، تتحول المشاركة إلى رسالة سياسية وإنسانية في آنٍ واحد، مفادها أن وحدة المصير تتقدم على كل الاعتبارات الأخرى.
ويمتد هذا النهج إلى البعد المجتمعي، كما ظهر في زيارته إلى مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان (رضي الله عنه)، حيث تتجاوز الدلالة الطابع الديني إلى تأكيد فكرة “الهوية الجامعة”. ففي بيئة تتغذى فيها بعض الخطابات على الانقسام، يصبح الفعل الهادئ أكثر تأثيرًا من الخطاب العالي، وتتحول الرمزية إلى أداة لترميم النسيج الوطني وتعزيز روح التماسك.
في مجمل هذه التحركات، تتشكل ملامح شخصية سياسية لا تميل إلى الصدام، ولا تنجرف إلى الاستعراض، بل تمارس دورها بمنهج التوازن، وهو المنهج الأكثر تعقيدًا في بيئة سياسية متشابكة كالعراق. فالتجارب أثبتت أن الدول لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل حين تفقد قدرتها على إدارة تناقضاتها، وهنا تحديدًا تتجلى أهمية هذا النوع من القيادة.
في ظل العواصف الإقليمية المتسارعة، لم يعد السؤال من يقود المشهد، بل من يمتلك القدرة على منع انهياره. وفي هذا الميزان الدقيق، لا تكون الحاجة إلى الصوت الأعلى، بل إلى القرار الأكثر توازنًا… والأقدر على حماية الدولة من نفسها قبل خصومها






