ads
ads
غير مصنف

“الصعود من القمة ” ..القائد(مسعود بارزاني) يكتب (للتاريخ) موثقاً نضال الشعب الكوردى

(إلى الذين لاينحنون).. حين يحكى زعيم عن شعبه

قلم: د. دينا دياب

تعرفت على شخصيته الفذة، خلال حوار شيق ذي شجون، جمعني في القاهرة مع الدكتور (قيس الرضواني)، واستفسرت من الرضواني عن تاريخ هذا الرجل الذي أثار فضولي الفكري والإنساني، فراح يسرد لي عظيم المواقف. وبينما أنا أتصفح في الانترنت وجدت صوراً للرئيس مسعود بارزاني، لفتت انتباهي صورة عظيمة، جمعت بين أبيه؛ قائد الأمة الكوردية (ملا مصطفى بارزاني) وبين قائد الأمة العربية (جمال عبد الناصر)، وحين نظرت إلى هذه الصورة الخالدة، أيقنت أن قضية الكورد التي حظيت باهتمام ناصر؛ جديرة بالدراسة والتقصي.

لم يعد كاك (مسعود بارزاني) الرئيسَ الأسبقَ لإقليم كوردستان العراق فحسب، بل بات الرئيس الحلم، الذي تحول إلى قائدٍ رمز للاستقلال والحرية في المنطقة عموماً. ويعتبره الكورد رائداً وأباً روحياً لهم، فأطلقوا عليه لقب (كاك مسعود) أي (الأخ الأكبر مسعود) وهو الاسم المقرب إلى قلبه. وخلال بحثي عنه وجدت أنه الرئيس الذي يتمناه الكورد في كل فترة رئاسية، والأب الروحي لقضيتهم الكبرى، فآثرت البحث لأجد كتاباً قيماً يحمل عنوان (للتاريخ) منقوشاً بعلامة (صح) على الغلاف، فوق لافتة مصبوغة بلون الدم الأحمر، وتأتي المفاجأة أن كاتبه الزعيم (مسعود بارزاني) قائد الأمة الكوردية الذي خاض غمار النضال منذ نعومة أظفاره؛ في سن السادسة عشرة، ضمن صفوف حركة التحرر الكوردية، بقيادة والده، في ستينيات القرن الماضي، حتى وصل منصب رئيس الإقليم، بل وأصبح الأخ الرمز لكل الكورد، والرئيس الحلم، كما أطلق عليه شعبه الكوردي.

 

هنا تعجبت؛ فقلَّما نجد قائداً يكتب عن شعبه، إذ أننا ألفنا الشعوب تكتب عن قادتها! بدأت أتصفح الكتاب، صفحة تلو أخرى، استوقفتني الخارطة التي أراد الزعيم أن يبدأ بها كتابه، خارطة سلطة الإمبراطورية العثمانية في قارة آسيا، مرسومة في سنة 1893م. بدأت رحلتي بين صفحات الكتاب؛ للتعرف على تاريخ الكورد وواقعهم وبيئتهم وجذورهم من خلال رؤية قائدهم، وحين وصلت صفحة إهداء الكتاب، أبهرتني العبارة: “إلى الذين لا ينحنون”. وكيف ينحني من عاش عمره ينظر نحو قمة الجبل، جاعلاً إياه ملاذاً وعريناً، يرسم حول سفحه أحلام الربيع القادم حتماً.

فوجئت بالمقدمة الوصفية المتميزة التي رصد فيها كاك مسعود معاناته من فكرة كتابة التاريخ الكوردي بيد الأجانب والمستشرقين الأوروبيين، بوجهات نظرهم الخاصة، وليست من وجهة نظر الكورد عاشقي الحرية، ذوي التاريخ الحافل بالانتفاضات ضد المستعمرين منذ فجر تاريخهم في المنطقة، وهو الأمر الذي جذبني لأستغرق في تاريخ رصده الرجل الذي صارع طوال حياته لتنفيذ مشروعه السياسي في النضال، وبدأ ينفّذ الآن مشروعه التاريخي؛ من خلال كتابته الأحداث من وجهة نظره كزعيم كوردي.

مقدمة بارزاني راصدة للواقع الذي يعيشه الكورد في العالم بشكل عام، وفي العراق بشكل خاص، إلا أن ملامح كلماته سيطر عليها شعوره بالإحباط في التعامل مع حكومة (بغداد)، على مدى أكثر من عشر سنوات، بعد أن ساهم الكورد في إعادة بناء هيكلية الدولة العراقية الجديدة، على أسس التوافق والتوازن والشراكة الحقة في الدولة العراقية، ليخرق سؤاله عنان الصمت (لماذا هؤلاء غير مستعدين لقبول شراكة الكورد في الدولة؟)، محملاً الحكومة العراقية ما آلت إليه الأوضاع في العراق اليوم.

تساؤلات كثيرة طرأت على ذهني، فتاريخ النضال الكوردي الحديث يمتد لمائة عام، بعد تقسيمه وإلحاق جزء منه لتشكيل الدولة العراقية، وما تبع ذلك، لكنني بدأت في تصفح محتويات الكتاب ووجدتها تجيب على تساؤلات كثيرة، وتطرح تساؤلات أكثر؛ أولاها فكرة تجزئة كوردستان، مروراً بثورة أيلول وخطة إبادة الشعب الكوردي وصهره داخل دولة العراق، وكذلك الانتفاضة، مروراً بمؤتمر المعارضة العراقية وسقوط النظام السابق، وحرب داعش، وخيبة أمل الكورد في العراق الجديد، وزيارته إلى أميركا وبغداد وصولاً إلى الاستفتاء، راصداً ردود الأفعال والضغوط الدولية.

جاء الجزء الأول بعنوان (تجزئة كوردستان – تقسيم القلب) الذي استهل به بارزاني توثيقة لتاريخ شعبه، بداية من معركة (جالديران) التي اندلعت يوم 12 آب (أغسطس) 1514، ما بين قوات الدولة العثمانية وقوات الدولة الصفوية، وكانت أرض كوردستان حينها ساحة للحرب. وفي حديثه عن تجزئة كوردستان، بعد أن تناول المؤلف لمحة تاريخية عن معركة جالديران و(معاهدة زهاو) وتقسيم كوردستان بين الإمبراطوريتين، يشير إلى أن الفكر الاستقلالي كان راسخاً عند القادة والرجال الكورد العظماء قبل سقوط الإمبراطورية العثمانية، فقد أعرب الشيخ (عبدالسلام) عن استعداده للذهاب مع الرحالة البريطاني (ويجرام) إلى بريطانيا للقاء مع رئيس (كنيسة كانتربوري) كي يطلب منه بناء المدارس في قرى كوردستان، وليزور بعدها الملك (جورج) ويبحث معه مسألة استقلال كوردستان، ولعله في هذا الجزء يوضح أن مطالب الأمة الكوردية، منذ نشأتها، واحدة ثابتة. مذ طالب الشيخ عبد السلام بارزاني ورؤساء العشائر من السلطان العثماني مطالبهم الأساسية؛ بجعل اللغة التركية لغة رسمية في المناطق الكوردية، وحتمية أن يكون المسوؤلون الحكوميون الذين تنسبهم الدولة العثمانية في مناطق كوردستان ملمين باللغة الكوردية، وأن تصدر الأحكام وفق الشريعة الإسلامية – لاسيَّما وأن الدولة العثمانية ذات منشأ إسلامي – وصرف ضرائب الخدمات الحكومية المستحصلة من أهالي كوردستان في إصلاح الطرق وبناء المدارس في المناطق الكوردستانية؛ (ص/ 21).

لأول مرة، يسرد الكتاب معلومة جديدة ومهمة في تاريخ نضال الحركة التحررية الكوردية، وهي لقاء الشيخ عبدالسلام بارزاني مع القيصر الروسي (نيكولاي الثاني) في العام 1914؛ (ص/ 23)، بعدما تردد أنه التقى فقط بمبعوث القيصر في (تبليس). وتطرق في الفصل الأول إلى اجتماع ثلاثي في مدينة (بطرسبورج) لتنفيذ برنامج سري بشأن توزيع الأراضي العثمانية، وتم التوقيع على معاهدة (سايكس بيكو). وبناءً عليه تم تقسيم كوردستان إلى ثلاثة أجزاء؛ جزء كبير للشعب الكوردي بقي كما هو، بينما قُسم الجزءان الآخران على دولتي (العراق) و(سوريا) قبل تأسيسهما. وانتهت باتفاقية سيفر (ص/ 26) التي خصصت جزءً للشعب الكوردي، والذي تم تعريفه باسم (كوردستان)، وأثبتوا أن غالبية الكورد يستحقون الاستقلال.

خلال تصفحي للكلمات تتضح الرؤية أن الكاتب ليس شاهداً على العصر فحسب بل مشاركاً فعّالاً فيه، استطاع من خلاله رصد أهم الأحداث التاريخيه للكورد، خلال فترة غائبة عن التوثيق، والمصادر فيها غير متداولة، وطرح الكاتب طرحاً في غاية الوضوح؛ ما يُسهّل على القارئ استيعاب مفرداته. ويكمل في الفصل الثاني من الكتاب، والذي يحمل عنوان (تأسيس دولة العراق) ويرصد فيه جزءً أساسياً حول نشأة العراق، وتأسيس دولة العراق والسياسة البريطانية في هذا الشأن، يقول المؤلف: “عُقِد في القاهرة سنة ١٩٢١ مؤتمر تقرر فيه إنشاء مملكة العراق، وعُيِّن (الأمير فيصل) النجل الثانى للحسين (شريف مكة) ملكاً على العراق ومُنِح التاج الملكي، هكذا تم تصميم الأساس لدولة لم تشهد الاستقرار طوال مائة سنة (ص/ ٢٧). وفي أعقاب مؤتمر القاهرة ١٩٢١ دعا الملك فيصل في رسالتين المندوب السامي البريطاني في العراق، إلى ضم كوردستان إلى العراق. وقد أجاب (ونستون تشرشل) وزير المستعمرات البريطاني حينها على رسالتي الملك قائلاً: “نحن وعدناكم بإنشاء دولة، وليست إمبراطورية، الكورد أمة يمتلكون جغرافيا خاصة، وحدودهم سلسلة جبال حمرين”. (ص/ ٢٩).

وفي سنة ١٩٢٢، تم تغيير النظام الملكي العثماني إلى النظام الجمهوري، وتغيير اسم الإمبراطورية العثمانية إلى الجمهورية التركية، وأصبح (مصطفى كمال) رئيساً للجمهورية، وتحت عنوان (معاهدة لوزان) ألغيت (معاهدة سيفر) وأوقفوا حلم الأمة الكوردية في الوصول إلى نيل الاستقلال والحصول على حقها المشروع. وفي سنة ١٩٢٤ بعد جولات ميدانية استغرقت شهرين في المناطق المتنازع عليها وجهت (عصبة الأمم) لجنة دولية دعت إلى منح المناطق الواقعة جنوبي خط بروكسل العراق، شريطة بقاء العراق تحت الانتداب البريطاني لمدة خمسة وعشرين عاماً، وشريطة أن تحمي الحكومة الجديدة المتشكلة في العراق حقوق الكورد في إدارة شؤونهم، وأن تصبح اللغة الكوردية لغة رسمية في التدريس والتعليم والدوائر والمحاكم. وهنا يرصد الزعيم بارزاني تجربة شخصية وهي قيامه باستطلاع وسؤال (الكورد) عن هذا التقرير، ورصد في الكتاب أنهم – الكورد – كانوا مع العيش ضمن العراق بدلاً من العودة إلى العيش تحت ظل الحكم التركى، وهذا الاستفتاء لم يكن يهدف إلى اختيار الاستقلال بدليل أنه وضع أمام سكان المناطق الكوردستانية خيارين فقط (البقاء مع تركيا) أو (الانضمام إلى العراق). وصادقت عصبة الأمم على المشروع ولكن الشروط الواردة فيه، التي كانت في صالح الكورد، لم تصل إلى نتيجة، وخرقت الدولة الجديدة الشراكة الكوردية (ص/ ٣٠).

“الكورد أنقذوا ولاية الموصل من أيدي تركيا، ولكن هل يذكر العرب هذا الأمر”؛ (ص/ ٣٠)، بهذه الجملة التي اقتبسها بارزاني من كتاب المندوب البريطانى (سيسيل جي إدمونس) وعنوانه (كورد ترك عرب)، وضع يده على تساؤل مهم للغاية، هو أن الحوادث والكوارث التي تعرض لها الشعب الكوردي على يد الدولة العراقية، كلها وثائق تدل على أن العرب نسوا الفضل الكوردي (ص/ ٣٠). وتطرق بارزاني في هذا الجزء إلى مرحلة زمنية خطيرة وهي انتفاضة الشيخ (محمود الحفيد) في سنة ١٩١٩، في (سليمانية) ضد السلطات الإنجليزية في سبيل استعادة حقوق شعب كوردستان المهضومة في الدولة الجديدة، وأعلن دولة كوردستان، وتحدث عن دور الشيخ (أحمد بارزاني) في مساندة الشيخ (محمود) بعدة طرق منها، إرساله قوة مسلحة من البارزانيين برئاسة (مصطفى بارزاني) إلى منطقة سليمانية، ولكن الجهود كانت دون نتيجة بسبب هجمات الإنجليز الجوية والأرضية، حتى نالوا من دولة كوردستان وأسروا الشيخ محمود، وأعادوه إلى سليمانية بعد ضغط جماهيري في سنة ١٩٢٢.

يرصد كاك مسعود، كيف أن القضية الكوردية كانت موجودة قبل تأسيس دولة العراق، حيث كُتب أول دستور لدولة العراق الجديدة في سنة ١٩٢٥؛ دستور العهد الملكي. وأنبثقت حركتان تحرريتان كورديتان في سنتي ١٩٣١ و١٩٣٢ بقيادة الشيخ أحمد بارزاني، وفي سنتي ١٩٤٣ و١٩٤٥ بقيادة الملا مصطفى بارزاني، ولكنهما فشلتا بسبب قصف الطيارات الحربية الإنجليزية، ما أرغم المقاتلون البارزانيون في سنة ١٩٤٥ على العبور عبر الطرق الجبلية، برفقة نسائهم وأطفالهم، إلى منطقة (شنو) في كوردستان إيران؛ (ص/ ٢٢).

نهاية هذا الفصل فرض الزعيم تساؤلاً مهماً؛ وهو “إن إضاعة فرصة بناء العراق على مبدأ الشراكة بين الكورد والعرب واحترام الحقوق المواطنة في العهد الملكي، ما هو إلا درس في الفرص الأخرى لكي يستطيع الكوردي أن يعيش في أمان ضمن دولة العراق”؛ (ص/ ٣٣).

إلى هنا نجد الزعيم يقدم دراسة حقيقية واقعية رصدت بجرأة وموضوعية درساً تاريخياً لتاريخ العراق والصراعات التي عاشها الكورد لكي يحافظوا على حقوقهم المسلوبة، وهو أيضاً درس حقيقي لكل أكاديمي وقارئ يريد أن يفهم كواليس تأسيس دولة العراق، وتجزئة كوردستان وفي العدد القادم سنتطرق بشكل أكبر لكافة الأحداث التي رصدها الكتاب.

ختاماً… (للتاريخ) كتابٌ قيم، ووثيقة حقيقية مهمة للتاريخ، جاء في قطع من الحجم المتوسط في (353) صفحة، منها (124) صفحة للمتن، والباقي للوثائق والخرائط والملاحق المهمة، ومن ضمنها الأسس القانونية والدستورية لاستفتاء إقليم كوردستان العراق، ونص البيان الختامي لمؤتمر المعارضة العراقية في (لندن)، والوثيقة السياسية لضمان حقوق المكونات القومية والدينية في كوردستان، وإعلان المبادئ الدستورية. وكذلك فهرست الأسماء والعناوين والأماكن، إضافة إلى العديد من الخرائط الاستراتيجية؛ لكل مهتم بالشؤون الكوردية من الأكاديميين والسياسيين والقراء عامة، حيث جاء رصده أقرب لكتابة المذكرات، مستعيناً بصوره ووثائق لا يملكها غيره، لتوثيق تاريخ الكورد الحقيقي كما رآه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى