ads
ads
أخبارعربى ودولى

دينا دياب تكتب:رواتب كردستان… بين سكين بغداد وصمت الضمير العالمي”

من جوار الحقيقة الموجعة التي يعيشها أبناء إقليم كردستان، تابعتُ بأسى بالغ القرار الصادم الذي اتخذته الحكومة العراقية بإيقاف أو تأخير تمويل رواتب موظفي الإقليم. قرار لا يمكن اعتباره إجراءً إداريًا روتينيًا، بل هو بكل وضوح قرار ظالم وغير إنساني، يعكس حالة الانفصال التام بين صُنّاع القرار في بغداد ومعاناة الناس على الأرض.

إن تجويع الناس ليس خلافًا سياسيًا… بل انتهاك فج لكرامتهم الإنسانية. آلاف الأسر التي تعتمد كليًا على هذه الرواتب باتت تواجه خطر العوز، والجوع، والتشرد، في وقتٍ تتفاخر فيه الدولة المركزية باحترامها لـ”الدستور” و”الوحدة الوطنية”.

لكن أي وحدة هذه التي تُبنى على حرمان مكون كامل من أبسط حقوقه؟

أي دولة تُدار بمنطق العقوبة الجماعية لمجرد الخلاف السياسي؟

نحن أمام ظلمٍ لا يمكن السكوت عليه، ولا تبريره تحت أي ذريعة قانونية أو سياسية.

على مدار سنوات، أثبت إقليم كردستان أنه ليس طرفًا ساعيًا للصراع، بل ركيزة للاستقرار وصناعة السلام في الشرق الأوسط. فبينما تنشغل بعض الجهات بإشعال الأزمات، كان الإقليم يُطلق مؤتمرات الحوار، ويرعى الوساطات، ويبني شراكات دبلوماسية بنّاءة. فما الذي يجنيه اليوم؟ حصار مالي رسمي بغطاء قانوني زائف.

والأكثر وجعًا، أن هذا الظلم ليس جديدًا، بل هو امتداد لسلسلة طويلة من الإقصاء والتهميش تعرض لها الشعب الكردي عبر التاريخ. ولكن ما يميّز هذه المرحلة هو أن الظلم يرتدي اليوم عباءة “الدولة العادلة”، ويُمارَس تحت غطاء “المسؤولية المالية”، وهو أبعد ما يكون عن ذلك.

منذ تولي الزعيم مسعود بارزاني قيادة الإقليم، كانت رسالته دائمًا السلام والعدالة والحقوق عبر السياسة والدبلوماسية. لم يغلق بابًا، ولم يرفع سلاحًا، بل خاض أصعب المعارك بالوسائل السلمية، دفاعًا عن حقوق أبناء الإقليم، خاصة في ملف الرواتب الذي تحوّل إلى أداة للابتزاز السياسي.

واليوم، حين يُعلن الزعيم بارزاني بأسى شديد عدم قدرته على الاحتفاء بعيد الأضحى بسبب الأوضاع المأساوية لشعبه، فإنها ليست مجرد كلمات، بل صرخة وطن جريح. كيف يُحتفل والعيد يأتي وأفواه الأطفال جائعة؟ كيف تُرفع التهاني وأسر كاملة لا تجد ما تسدّ به رمقها؟

وفي موقف يعكس حكمة وواقعية القيادة الكردية، قررت مؤسسة بارزاني الخيرية تدويل الملف ورفعه إلى الأمم المتحدة. فالظلم المستمر لم يعد شأناً داخليًا، بل أصبح قضية حقوق إنسان عالمية، تتطلب تحركًا دوليًا عاجلاً، لا سيما مع عدم التزام الحكومة العراقية بتنفيذ المواد الدستورية المتعلقة بالإقليم.

توصيف المؤسسة لما يحدث بأنه “حرب نفسية” ليس مبالغة.

فما يُمارَس ضد الإقليم اليوم هو إرهاب مالي ومعنوي، يُعيد إلى الأذهان أسوأ صفحات الحصار والتجويع التي شهدتها شعوب مقهورة في القرن العشرين.

وختامًا، تبقى كلمات بارزاني صرخة في وجه التاريخ:

“لينظر من يعادون كردستان وشعبها إلى التاريخ… لقد قاومنا الطغيان وحققنا النصر، وكان الندم دائمًا من نصيب الطغاة.”

إنها ليست نهاية معركة، بل فصل جديد من ملحمة صمود يعيشها أبناء كردستان، ويخوضونها بكرامة وعزيمة حتى يُنتزع الحق انتزاعًا، كما فعلوا في كل محطة سابقة من هذا التاريخ القاسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى