
أحيانًا لا تكون الرحلة مجرّد سفر؛ بل عبورًا من تعبٍ عالق في الروح…إلى دهشةٍ تُعيد ترتيب نبض القلب.
وهكذا بدأت الحكاية…انطلقتُ من أربيل، المدينة التي تُشبه نافذة من نور تُطلّ على العالم.
ومررتُ بمطار إسطنبول الجديد الذي يحتاج يومًا كاملًا ليُكتشف،لكن الترانزيت كان قصيرًا…فمررتُ به مرور العاشق الذي يحبّ المكان ولا يملك رفاهية البقاء.
خمس ساعات في السماء نحو المغرب، أقلعت الطائرة نحو المغرب… خمس ساعات على متن الخطوط التركية،كانت كفيلة بأن تُبعد إرهاق الأيام،وتُقرّب الشوق إلى بلدٍ لم أطأه من قبل،لكنني أحببته من قصص أصدقائي،ومما سمعته عن كرم أهله.
كانت الساعات الخمس كراحة روحٍ تنتظر أن تلامس أرضًا جديدة…أرضًا لا تحبّك لأنك قادم،بل لأنك ضيف.
مطار محمد الخامس… حين يسبقك الحبّ قبل أن تعرّف بنفسك،ما إن هبطتُ في مطار محمد الخامس حتى فوجئت بابتسامة ضابط الجوازات،ابتسامة ملكية… تشبه ضوء الفجر.
اقترب وقال بلهجة مغربية محبّبة:“عراقي؟ أهلا وسهلا… نورتنا.
واسمك قيس ؟ ذكرتنا بالحب والعشق وبمجنون ليلى…نتمنى ترتاح معنا.”
يا الله…كيف يمكن لكلمات قليلة أن تُسقط عنك تعب السماء؟
كيف يمكن لابتسامة واحدة أن تجعل بلدًا كاملًا ينتقل من الخارطة… إلى القلب؟
الرباط… محطة قصيرة لكنها تلمس القلب

خارج المطار كان الأخ محمد—موفَد مهرجان سينما الشعوب—ينتظرني.هادئ… أصيل… كأنه قطعة من طيبة المغرب.
اتجهنا إلى الرباط،ولم تكن وجهتنا الأساسية،بل محطة توقف قصيرة للعشاء والتقاط بعض الصور وجولة خفيفة في المدينة القديمة.
لكن الرباط، حتى في عُجالتها،تعرف كيف تصل إلى القلب.
جلسنا نشرب القهوة،فتقدّمت نحونا قطط صغيرة… جميلةكأنها تعرفنا،كأنها تقول لنا بطريقتها الخاصة:“مرحبا بكم في المغرب.”..تلك اللحظة العابرة كانت جزءًا من الضيافة التي لا تُحكى…بل تُشعَر.
هناك التقيتُ بالمخرج الكبير عبدالإله الجوهري.الذي عزمني على العشاء ،وتحوّل العشاء إلى حديثٍ عميق،والشاي إلى موسيقى،والرباط إلى دفتر صغير كتبتُ فيه:“حتى المحطات العابرة… قد تصبح من الذكريات الخالدة.”
بعد المحطة، واصلنا الطريق نحو مدينة بإيموزار.وفي الطريق التحقت بنا الزميلة صفاء… قادمة من تونس الخضراء.لم تصل وحدها؛وصل معها هدوء تونس،ولهجتها الموسيقية،وابتسامة تشبه نسمات البحر.
رحلة بثلاث لهجات وقلب واحد
العراقي…والمغربي…والتونسي…ثلاث قلوب تمشي في طريق واحدنحو مهرجان واحدورسالة واحدة:
“الفن لا يجمعنا لأننا متشابهون…بل لأنه يعرف كيف يوحّد اختلافاتنا.”
وعندما اقتربنا إلى مدينة بإيموزار مكان اقامة مهرجان سينما الشعوب برحلةٌ كتبتها السماء، ووقّعتها يد المحبّة.
وعندما اقتربنا من المدينة،كانت الأشجار تلوّح لنا،والسماء تفتح صفحة جديدة…
تقول فيها:“هنا… تبدأ الأيام التي تُحَب.”
خاتمة… بل بداية كانت الرحلة في ظاهرها انتقالًا بين مطارات ومدن،لكن حقيقتها كانت درسًا في الحب والإنسانية:
• المغرب علّمني أن الضيافة قد تكون لغة…لا تحتاج إلى ترجمة.
• وتونس علّمتني أن الصوت الجميل…
يمكن أن يكون وطنًا صغيرًا.
ومن أربيل…
إلى إسطنبول…
إلى الرباط…
إلى مدينة مهرجان سينما الشعوب…
اكتشفتُ أن بعض المدن لا تُزار بالقدمين،
بل تُزار بالقلب وحده.
وأن بعض البلدان… لا تُحَب لأنها جميلة،بل لأن الناس فيها…يجعلونك تُحب نفسك أكثر.وما زالت الحكاية مستمرة…،كانت الأشجار تلوّح لنا،والسماء تفتح صفحة جديدة…تقول فيها:“هنا… تبدأ الأيام التي تُحَب.”
وما زالت الحكاية مستمرة…






