بقلم د.قيس الرضوانى:مسرور بارزاني… حين يصبح الاعتزاز بالهوية مشروع استقرار لا مشروع صراع
في زمن الإعلام الرقمي المتسارع، أصبحت الجملة المقتطعة أخطر من التصريح الكامل. فبمجرد إخراج عبارة من سياقها، يمكن تحويل خطابٍ توافقي إلى مادة جدلٍ حاد، وهو ما حدث مؤخرًا مع تصريح منسوب إلى رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني حول فخره بهويته الكردية.
إن الاعتزاز بالهوية التي وُلد بها الإنسان ليس موقفًا سياسيًا متطرفًا، بل تعبير إنساني طبيعي تمارسه جميع الشعوب دون استثناء. فالفرنسي يفتخر بفرنسيته، والعربي بعروبته، والياباني بهويته الوطنية، دون أن يُفسَّر ذلك بوصفه دعوة إلى الإقصاء أو الانعزال.
التصريحات التي أُثير حولها الجدل جاءت في سياق حديث أوسع عن الاستقرار والتعايش واحترام حقوق الشعوب. وهذا السياق مهم، لأن الخطاب السياسي الحديث لم يعد يقاس بجملة منفردة، بل بالرسالة الكاملة التي يسعى المتحدث إلى إيصالها. وعند مراجعة الخطابات الرسمية لرئيس حكومة إقليم كوردستان في المحافل الدولية، يتضح تركيز متكرر على مفاهيم الشراكة، والاستقرار، وبناء بيئة آمنة للتنمية.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في مضمون التصريح، بل في آلية تداوله. فوسائل التواصل الاجتماعي تميل إلى اقتطاع المقاطع القصيرة المثيرة للجدل، لأنها الأسرع انتشارًا، بينما يغيب السياق الذي يوضح المقصود الفعلي. وهنا يتحول النقاش من حوار عقلاني إلى سجال عاطفي، غالبًا ما يُغذّى بالاستقطاب السياسي.
من منظور أوسع، فإن الحديث عن الهوية القومية لدى شعوب عاشت عقودًا من الاضطرابات لا يُفهم كدعوة للانفصال أو الصراع، بل كجزء من عملية تثبيت الاستقرار النفسي والاجتماعي. فالاعتراف بالهوية واحترامها يُعدّ، في أدبيات بناء السلام، عاملًا أساسيًا لتخفيف التوتر وليس لتأجيجه.
إن قراءة منصفة لأي تصريح سياسي تقتضي إعادته إلى سياقه الكامل: ما الذي قيل قبله؟ وما الرسالة العامة للخطاب؟ وهل كان الهدف تعزيز الشراكة أم خلق مواجهة؟ هذه الأسئلة المهنية هي ما يميز الصحافة المسؤولة عن صحافة العناوين الصادمة.
الخلاصة أن الفخر بالانتماء الثقافي أو القومي لا يتعارض مع قيم التعايش والشراكة، بل يمكن أن يكون جسرًا لها إذا طُرح ضمن خطاب يؤكد احترام الآخرين. لذلك، فإن الإنصاف يقتضي التعامل مع التصريحات في إطارها الكامل، لا عبر مقاطع مجتزأة تُحمَّل أكثر مما تحتمل.






