د.دينا دياب تكتب:إيفان فائق جابرو… امرأة من العراق المتعدد إلى قلب القرار الوطني
في العراق، حيث لا تُقاس الشخصيات العامة بالمناصب وحدها، بل بما تتركه من أثر في الذاكرة المؤسسية والإنسانية للدولة، تبرز معالي السيدة إيفان فائق جابرو بوصفها واحدة من الوجوه النسوية العراقية التي استطاعت أن تجمع بين الحضور الهادئ، والمسؤولية العالية، والرمزية الوطنية الجامعة.

لم تكن إيفان فائق جابرو مجرد وزيرة سابقة تولّت حقيبة حكومية حساسة، ولم تكن اليوم مجرد مقررة لمجلس النواب العراقي، بل تحولت تجربتها إلى نموذج عراقي مهم لامرأة دخلت ميدان القرار العام من بوابة الكفاءة والالتزام، لا من بوابة الضجيج السياسي أو الاصطفاف الضيق.
وتكتسب تجربتها أهمية مضاعفة لأنها تأتي من داخل العراق المتنوع؛ فهي امرأة عراقية من المكوّن المسيحي الأصيل، ذلك المكوّن الذي كان وما يزال جزءاً راسخاً من هوية العراق الحضارية والثقافية والوطنية. ومن هنا، فإن حضورها في مواقع الدولة لا يمثل حضوراً شخصياً فحسب، بل يعكس صورة العراق الذي يتسع لجميع أبنائه وبناته، ويمنح الكفاءة حقها بعيداً عن الجنس أو الدين أو الانتماء.
لقد تولّت معاليها وزارة الهجرة والمهجرين في مرحلة لا تُعد من المراحل العادية في تاريخ العراق الحديث، بل في واحدة من أكثر الفترات حساسية وتعقيداً، حيث كان ملف النزوح والعودة الطوعية وإعادة الاندماج المجتمعي يمس حياة مئات الآلاف من العراقيين الذين عانوا من آثار الحرب والإرهاب والتهجير وفقدان الاستقرار.
وهنا تحديداً تكمن قيمة التجربة؛ فوزارة الهجرة والمهجرين ليست وزارة أرقام وبيانات فقط، بل وزارة وجع إنساني، وذاكرة نزوح، وبيوت مهدمة، وعائلات تبحث عن الأمان، وأطفال ينتظرون العودة إلى حياة طبيعية. وإدارة هذا الملف تحتاج إلى حس إنساني قبل القرار الإداري، وإلى صبر وطني قبل الحضور الإعلامي، وإلى فهم عميق لمعنى كرامة الإنسان في زمن الأزمات.
وقد استطاعت السيدة إيفان فائق جابرو أن تحافظ على صورة مسؤولة في التعامل مع هذا الملف، وأن تقدم نموذجاً في الإدارة الهادئة والمتزنة، بعيداً عن الصخب والمزايدات. فالقيمة الحقيقية للمسؤول لا تظهر دائماً في الخطابات الكبرى، بل في قدرته على متابعة الملفات الصعبة، والوقوف عند تفاصيل الناس، وحماية المعنى الإنساني للدولة.
ومن موقعها الحالي كمقررة لمجلس النواب العراقي، تواصل السيدة جابرو حضورها المؤسسي في مساحة تشريعية مهمة، مؤكدة أن المرأة العراقية قادرة على أن تكون جزءاً أصيلاً من صناعة القرار، لا عنواناً تكميلياً أو حضوراً رمزياً. فهي تمثل صورة للمرأة التي تعرف قيمة المنصب، وتدرك حساسية المسؤولية، وتتعامل مع العمل العام بروح متزنة ومسار واضح.
إن اختيار معالي السيدة إيفان فائق جابرو لنيل لقب أفضل وزيرة في العراق لعام 2025 من قبل قمة القاهرة للإبداع والتأثير، لا يُقرأ باعتباره تكريماً لشخصية سياسية فقط، بل تقديراً لمسار وطني وإنساني وإداري حمل أكثر من دلالة. فهو تكريم للمرأة العراقية حين تكون في موقع الفعل، وتكريم للتنوع العراقي حين يتحول إلى قوة جامعة، وتكريم للمسؤولية حين تُمارس بهدوء واحترام بعيداً عن الاستعراض.
في شخصية إيفان فائق جابرو تلتقي عدة رسائل مهمة: رسالة المرأة التي تستطيع أن تدير وتشرّع وتؤثر، ورسالة المسيحي العراقي الذي لا يقف على هامش الدولة بل في صلب تاريخها وحاضرها، ورسالة العراق الذي لا ينهض إلا بتوازن مكوناته واحترام كفاءاته.
إنها تجربة تستحق القراءة والتقدير؛ لأنها لا تستند إلى لحظة عابرة، بل إلى مسار من العمل العام، والحضور المؤسسي، والالتزام الوطني. وفي زمن تبحث فيه الدولة عن نماذج هادئة وفاعلة، تبقى إيفان فائق جابرو اسماً يعبر عن عراق ممكن؛ عراق يؤمن بالمرأة، يحترم التنوع، وينصف من خدموا الإنسان قبل المنصب.
ولهذا، فإن تكريمها ليس احتفاءً بشخصها وحده، بل احتفاء بصورة أوسع للعراق: عراق الدولة الجامعة، عراق المواطنة، عراق المرأة القادرة، وعراق المكونات الأصيلة التي كانت وستبقى شريكة في صناعة مستقبله.






