د.دينا دياب تكتب:بشير الوندي… حين تتحول الكتابة الأمنية إلى عقل دول
في زمنٍ لم يعد فيه الأمن مجرّد ملف سيادي مغلق، ولا شأناً عسكرياً محصوراً داخل غرف القرار، يبرز اسم الدكتور بشير الوندي بوصفه واحداً من أبرز الأقلام العربية المتخصصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، وصوتاً معرفياً نادراً استطاع أن ينقل الكتابة الأمنية من مساحة التعليق على الحدث إلى مستوى صناعة الفهم، ومن حدود الرأي إلى مرتبة البناء الفكري المنهجي.

إن الحديث عن الدكتور بشير الوندي لا يتصل بكاتبٍ اعتاد ملاحقة العناوين الساخنة، ولا بباحثٍ يكتفي بوصف الأزمات بعد وقوعها، بل برجلٍ قدّم للأدبيات الأمنية العربية نموذجاً مختلفاً في التفكير والتحليل، قائماً على تفكيك الظواهر، قراءة البنية الخفية للتهديدات، فهم حركة المعلومات، وتحويل الخبرة الأمنية إلى معرفة قابلة للتداول والتدريب والاستفادة المؤسسية.
ومن هنا جاء اختيار قمة القاهرة للإبداع والتأثير 2026 للدكتور بشير الوندي لنيل لقب «أفضل كاتب في الشؤون الأمنية والاستراتيجية» بوصفه تكريماً يتجاوز الاعتبار الشخصي إلى معنى أعمق: الاعتراف بقيمة الفكر الأمني العربي حين يمتلك أدواته العلمية، وجرأته التحليلية، وقدرته على خدمة الدولة والمجتمع وصانع القرار.
فالكتابة الأمنية ليست لغة إنشائية، ولا استعراضاً للمصطلحات، ولا تكراراً لمفردات الأمن القومي والاستخبارات والمخاطر. إنها، في جوهرها، علمٌ دقيق يقوم على ترتيب المعلومات، اختبار الفرضيات، تقدير الاحتمالات، قراءة المؤشرات، وتحويل الفوضى إلى صورة مفهومة. وهذا ما جعل تجربة الوندي مختلفة؛ إذ تعامل مع الأمن لا كحالة طوارئ، بل كبنية تفكير، وكمنظومة وعي، وكشرط أساسي لاستقرار الدولة وبناء التنمية.
لقد قدّم الدكتور بشير الوندي، عبر مؤلفاته وكتاباته ومحاضراته، مدرسةً في فهم الاستخبارات بوصفها عقل الدولة لا ذراعها فقط. فالاستخبارات، في رؤيته، ليست أداة جمع معلومات فحسب، بل منظومة إنذار مبكر، ومركز تقدير موقف، وعين الدولة التي ترى ما قبل الخطر، وتقرأ ما خلف السلوك، وتمنح القرار السياسي القدرة على التحرك قبل الانهيار لا بعده.
ومن يتابع مشروعه الفكري يكتشف أن الوندي لم يكتب عن الأمن من خارجه، بل من عمق التجربة والمعرفة. فقد تناول ملفات شديدة التخصص، من التحليل الاستخباري، إلى التخطيط الاستراتيجي، إلى مكافحة التجسس، إلى الحرب النفسية، إلى حماية المصادر، إلى الموازنة الاستخبارية، إلى أرشفة المعلومات، إلى إدارة المخاطر. وهذه الموضوعات لا يقترب منها إلا من يمتلك خبرة ميدانية وعقلاً تنظيمياً وقدرة على تحويل التفاصيل المعقدة إلى منظومة مفاهيم واضحة.
وتكمن أهمية الوندي في أنه أعاد الاعتبار إلى «المعرفة الأمنية» في بيئة عربية عانت طويلاً من التعامل مع الأمن بوصفه إجراءً لا فكراً، ورد فعل لا رؤية، وسلطة تنفيذية لا منظومة تخطيط. لقد كتب الوندي في منطقة دقيقة بين الأمن والسياسة والتنمية، مؤكداً أن الدولة التي لا تمتلك نظرية أمنية واضحة تظل مكشوفة أمام التهديدات، وأن المجتمع الذي لا يملك وعياً أمنياً يتحول بسهولة إلى ساحة اختراق وتضليل وصراع.
وفي كتابه ومساره البحثي، تظهر فكرة مركزية شديدة الأهمية: لا أمن بلا تنمية، ولا تنمية بلا أمن، ولا دولة مستقرة بلا استخبارات محترفة، ولا استخبارات محترفة بلا تحليل وتخطيط وأرشفة وتدريب وبناء مؤسسي. هذه الرؤية المركبة هي ما يجعل كتاباته صالحة لا للقراءة فقط، بل للنقاش داخل المؤسسات ومراكز الدراسات وغرف القرار.
إن أبرز ما يميز الدكتور بشير الوندي أنه لا يكتب لإثارة الانفعال، بل لبناء الوعي. لا يتعامل مع الخطر بوصفه خبراً عاجلاً، بل بوصفه ظاهرة لها جذور ومسارات وأدوات وتمددات. ولا يقف عند حدود توصيف الإرهاب أو التجسس أو الحرب النفسية، بل يسأل: كيف تتكون البيئة التي تسمح بالخطر؟ كيف تتحرك المعلومة؟ كيف ينهار القرار حين تغيب الرؤية؟ وكيف تستطيع الدولة أن تسبق التهديد بدلاً من أن تطارده؟
في هذا المعنى، فإن الوندي يمثل نموذج الكاتب الأمني الذي تحتاجه المنطقة اليوم؛ كاتب لا يزايد، ولا يختزل، ولا يخلط بين التحليل والدعاية، بل يبني نصه على خبرة، ويؤسس رأيه على معرفة، ويجعل من المقالة الأمنية وثيقة تفكير لا مادة عابرة. ولذلك فإن تكريمه ليس احتفاءً باسم، بل احتفاء بمسار معرفي كامل ساهم في إثراء المكتبة العربية في واحد من أكثر الحقول حساسية وندرة.
إن الشرق الأوسط، بما يحمله من تحديات الإرهاب، والتدخلات، والحروب الهجينة، والتهديدات السيبرانية، وتفكك المجال المعلوماتي، يحتاج إلى كتاب من هذا النوع؛ كتاب يدركون أن الأمن لم يعد بندقية وحدوداً فقط، بل أصبح معلومة، ووعيًا، وخوارزمية، وسردية، ومؤسسة، وثقة بين الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق، يصبح حضور الدكتور بشير الوندي قيمة فكرية تتجاوز العراق إلى الفضاء العربي الأوسع.
ولعل القيمة الأهم في تجربة الوندي أنه جعل من الكتابة الأمنية فعلاً وطنياً هادئاً، بعيداً عن الضجيج، قريباً من جوهر الدولة. فالكاتب الأمني الحقيقي لا يصنع شعبية سهلة، بل يبني أثراً طويل المدى؛ لا يبحث عن التصفيق، بل عن ترسيخ المفاهيم؛ لا يكتفي بأن يشرح الخطر، بل يعلّم كيف نفكر أمام الخطر.
ومن هنا، فإن منح الدكتور بشير الوندي لقب «أفضل كاتب في الشؤون الأمنية والاستراتيجية» يأتي في مكانه الطبيعي، لأنه يكرّم عقلاً اشتغل على الأمن بوصفه علماً ومسؤولية، وعلى الاستخبارات بوصفها معرفة لا غموضاً، وعلى الدولة بوصفها مشروعاً يحتاج إلى رؤية لا مجرد مؤسسات.
إن بشير الوندي ليس اسماً في قائمة المكرمين فحسب؛ إنه شاهد على أن المعرفة الأمنية العربية قادرة على إنتاج مدارسها ورموزها ومراجعها. وحين تحتفي قمة القاهرة للإبداع والتأثير به، فهي لا تكرّم كاتباً فقط، بل تكرّم معنى أعمق: أن حماية الأوطان تبدأ أحياناً من فكرة صحيحة، ومن تحليل دقيق، ومن قلم يعرف أن الأمن قبل أن يكون قراراً… هو وعي.






