
في الدول التي تمر بمراحل انتقالية معقدة، لا تُقاس قيمة المسؤول بعدد المناصب التي شغلها فقط، بل بقدرته على تحويل التجربة إلى رؤية، والمنصب إلى معرفة، والمعرفة إلى أثر. ومن هذا المنطلق، يبرز اسم معالي الدكتور طورهان مظهر المفتي بوصفه واحداً من الشخصيات العراقية التي جمعت بين الاختصاص العلمي، والخبرة الحكومية، والحضور الأكاديمي، والعمل المؤسسي في ملفات شديدة الحساسية تتصل بشكل الدولة، وإدارة المحافظات، واللامركزية، والأمن المائي.

ولد الدكتور طورهان المفتي في كركوك، المدينة التي تختصر بتركيبتها الاجتماعية والسياسية معنى العراق المتعدد، ونشأ في بيئة متعددة المكونات، الأمر الذي منحه قدرة مبكرة على فهم التعقيدات المحلية، والتعامل مع التنوع بوصفه رصيداً وطنياً لا عبئاً سياسياً. فهو ابن مدينة حساسة، وممثل لتجربة عراقية تركمانية وطنية، استطاعت أن تتحرك داخل الدولة من موقع المعرفة والخبرة لا من موقع الاصطفاف الضيق.
وقد مثّل الدكتور طورهان المفتي المكون التركماني تمثيلاً مشرفاً داخل مؤسسات الدولة العراقية، من خلال حضوره المتوازن، وخطابه المسؤول، وانخراطه في العمل الوطني العام دون أن يحصر تجربته في إطار مكوناتي ضيق. فقد قدّم صورة رصينة عن القيادات التركمانية القادرة على الجمع بين الدفاع عن الحضور والحقوق والهوية، وبين الالتزام بوحدة الدولة العراقية، واحترام تنوعها، والعمل من داخل مؤسساتها بروح وطنية جامعة.
يحمل الدكتور المفتي خلفية علمية رصينة في الجيولوجيا، وتقنيات الأقمار الصناعية، والجيوكيمياء، وهي تخصصات تمنح صاحبها قدرة على قراءة الأرض والموارد والبيئة بلغة علمية دقيقة. وهذه الخلفية لم تبقَ في حدود البحث الأكاديمي، بل تحولت إلى قاعدة عملية في فهم ملفات النفط، والبيئة، والمياه، والتصحر، وإدارة الموارد الطبيعية، وهي ملفات لم تعد تفصيلية في الدولة العراقية، بل أصبحت من صميم الأمن الوطني والتنمية المستدامة.
وعلى مدى سنوات طويلة، تنقل الدكتور طورهان المفتي بين مواقع حكومية متعددة، من عضوية مجلس محافظة كركوك، إلى وزارة الدولة لشؤون المحافظات، ثم وزارة الاتصالات وكالة، ومستشارية رئاسة الجمهورية، ورئاسة سكرتارية الهيئة العليا للتنسيق بين المحافظات، وتمثيل الحكومة في مجلس النواب، ثم مستشارية رئيس مجلس النواب، وصولاً إلى موقعه الحالي مستشاراً لرئيس مجلس الوزراء لشؤون المياه. هذا المسار لا يعكس تنقلاً وظيفياً عادياً، بل يكشف تراكم خبرة داخل الدولة، وفهماً عملياً للعلاقة بين المركز والمحافظات، وبين التشريع والتنفيذ، وبين القرار السياسي والإدارة الفنية.
وتتجلى أهمية تجربة الدكتور المفتي في ملف اللامركزية، وهو من أكثر الملفات تعقيداً في العراق بعد عام 2003. فقد كان من الأصوات التي تعاملت مع اللامركزية لا كشعار سياسي، بل كمنهج إداري لإعادة توزيع الصلاحيات، وتمكين المحافظات، وتحويل الإدارة المحلية من موقع التلقي إلى موقع المبادرة. وفي بلد متنوع كالعراق، تصبح اللامركزية الرشيدة أداة لحماية وحدة الدولة، لا لتفكيكها؛ لأنها تمنح المحافظات قدرة أكبر على معالجة حاجاتها الخدمية والتنموية ضمن إطار الدولة والقانون.
أما في ملف المياه، فإن الدكتور طورهان المفتي يتحرك في واحدة من أخطر ساحات الأمن الوطني العراقي. فالمياه لم تعد ملفاً فنياً يخص الزراعة فقط، بل أصبحت قضية سيادية تمس الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والهجرة الداخلية، ومستقبل المدن، وعلاقة العراق بدول الجوار. ومن هنا تأتي أهمية وجود شخصية تجمع بين الفهم العلمي والإدارة الحكومية والخبرة التفاوضية في هذا الملف، خصوصاً مع تصاعد آثار الجفاف والتغير المناخي، وتراجع الموارد المائية، والحاجة إلى تحديث أنظمة الري والاستهلاك والإدارة.
إن تكريم الدكتور طورهان المفتي ضمن قمة القاهرة للإبداع والتأثير لا يأتي بوصفه تكريماً بروتوكولياً لشخصية سياسية سابقة، بل بوصفه تقديراً لمسيرة رجل دولة أسهم في ملفات ترتبط بجوهر بناء الدولة الحديثة: اللامركزية، إدارة المحافظات، العلاقة بين المركز والأطراف، الأمن المائي، والانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة القائمة على المعرفة والخبرة والتخطيط.
وترى القمة أن تجربة الدكتور المفتي تمثل نموذجاً مهماً للمسؤول العراقي الذي يجمع بين الأكاديمي والسياسي، وبين الفني والإداري، وبين الانتماء التركماني الأصيل والهوية الوطنية العراقية الجامعة. فهو لم يقدم نفسه بوصفه ممثلاً لمكون فحسب، بل بوصفه عقلاً عراقياً يعمل داخل مؤسسات الدولة، ويؤمن بأن الحلول الكبرى تحتاج إلى معرفة عميقة، وحوار هادئ، وقرارات مسؤولة.
ومن هنا، فإن منحه وسام القاهرة للتميّز الاستراتيجي في إدارة الدولة والأمن المائي يأتي تقديراً لدوره في ترسيخ مفهوم الإدارة المحلية، ودعم مسارات اللامركزية، والمساهمة في قراءة ملف المياه كقضية استراتيجية لا تحتمل المعالجة المؤقتة أو الشعاراتية. كما يأتي التكريم اعترافاً بمسيرته العلمية والفكرية، وبحضوره في إنتاج الدراسات والكتابات التي تناولت الدولة والبيئة والموارد والتحولات السياسية والإدارية في العراق.
إن قمة القاهرة للإبداع والتأثير، وهي تكرم الدكتور طورهان المفتي، فإنها تكرم نموذجاً من الشخصيات التي تعمل في المساحات الصعبة بعيداً عن الضجيج، وتؤمن بأن قوة الدولة لا تُبنى بالخطاب وحده، بل بالمؤسسات، والمعرفة، والتوازن، والقدرة على إدارة الملفات الحساسة برؤية وطنية هادئة.
وبذلك، يصبح هذا التكريم رسالة تقدير لمسيرة مهنية وفكرية، ورسالة احترام للحضور التركماني المشرف في الدولة العراقية، ورسالة دعم لكل تجربة عراقية تضع العلم في خدمة الدولة، والخبرة في خدمة المجتمع، والحوار في خدمة الاستقرار.






